يحتوي على الحقيقة التي تجعل حضور الله دائمًا - فإننا عندئذ لا نستطيع أن نتجنب مشاكل التفكير الثيولوجي، والبحث الثيولوجي"". لأن القداسة تجعل الأدوات البشرية قاصرة أمامها، بحيث لا يمكنها أن تطال هيمنة النص، ويصبح ذلك حاجزًا أمام الفهم لأن أدوات التعامل ستظل بشرية أرضية وإن ادعت التعالي .
ومن هنا يريد الخطاب العلماني نزع هالة القداسة عن الوحي بتعرية آليات الأسطرة والتعالي والتقديس التي يمارسها الخطاب القرآني ، وذلك بأن ننظر إلى القرآن ليس على أنه كلامٌ آتٍ من فوق، وإنما على أنه حدث واقعي تمامًا كوقائع الفيزياء والبيولوجيا ، أو أن ندرسه بوصفه نصًا فقط ونصًا لغويًا دون أي اعتبار لبعده الإلهي لأن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق على النص يعكِّر كون النص منتَجًا ثقافيًا، ويعكر الفهم العلمي له . ولأن النصوص الدينية ليست مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت فيها، والمصدر الإلهي لها لا يلغي كونها نصوصًا لغوية مرتبطة بزمان ومكان، ولا يهمنا هذا المصدر الإلهي، وكل حديث فيه يجرنا إلى دائرة الخرافة والأسطورة . والتركيز على ألوهية مصدر النص - بنظر الخطاب العلماني - ليس له مبررٌ إلا سيطرة قوى التخلف والرجعية على واقع المجتمعات الإسلامية، وهي قوى تقف ضد تحرير العقل .
ومن هنا يمتدح الخطاب العلماني أركون لأنه""حررنا من الهيبة الساحقة للنص ... هذه الهيبة التي تحجب عنا حقيقة ماديته اللغوية""، وهو ما يعلنه أركون حين يقول:""عملي يقوم على إخضاع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن""، وحين يُحدد مسعاه من نقده بأنه""فرض قراءة تاريخية للنص القرآني""حيث يُخضِع أركون القرآن الكريم لمطرقته النقدية بعين حفرية تفكيكية كاشفًا عن تاريخيته الأكثر مادية ودنيوية، والأكثر يومية واعتيادية والأكثر شيوعًا بل والأكثر ابتذالًا .
ولهذا الغرض كان التركيز إما على المدخل الأدبي اللغوي واعتباره المنهج الوحيد لفهم النص القرآني ، وإما على المدخل الهرمينوطيقي أو اللساني حيث الألسنية فائدتها - كما يقرر الخطاب العلماني - أنها تزحزح كثيرًا من قداسة النص وهيبته المفروضة علينا، فالألسنية تحيِّد الأحكام اللاهوتية الثقيلة التي تحيط بالنص عبر القرون ، وتُبيِّن أن النصوص الإلهية كغيرها من النصوص اللغوية خاضعة للمشروطيات البشرية .
هكذا تكلم العلمانيون ..
وهذا هو رأيهم في القرآن بشكل عام وهم يوظفون لإزاحة قداسة القرآن الكريم مناهج مختلفة ماركسية وإنسية وهرمينوطيقية دون اعتبار لقداسته ودون اعتبار لكونه كلام الله عز وجل والفقرات التالية تزيد ما نقوله وضوحًا.
ثانيًا - نقد القرآن:هل يُنقد القرآن؟ ذلك هو السؤال المرعب بنظر أركون وعلي حرب؟ .
وإذا كان أركون قد أجاب بأنه""من المستحيل عمليًا في اللحظة الراهنة فتح مناقشة نقدية تاريخية أو حتى مناقشة تأويلية بخصوص القرآن""، إلا أنه عمليًا قد تجاوز كل حدود النقد إلى الكثير من الافتراء وإساءة الأدب، فقد قرأنا له قبل قليل""عملي يقوم على إخضاع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن"". بل إنه يقرر أن النظر إلى القرآن الكريم نظرة نقدية تاريخية إنتربولوجية يزعزع جميع الأبنية التقديسية والتنزيهية التي بناها العقل اللاهوتي التقليدي ( ) ) .
والخطاب العلماني عمومًا يكرر كثيرًا الدعوة إلى نقد القرآن وإخضاعه للتحليل والتفكيك ، ويرى أن نقد القرآن من المناطق المحرمة في فكرنا ، مع أن هذا النقد ضروري ولا بد منه لكي يحافظ الإنسان على تماسكه المنهجي أو العقلي . وقد تطور الأوربيون لأنهم أخضعوا نصوصهم المقدسة للنقد .
تلك هي إجابة الخطاب العلماني فماذا يجيب الإسلاميون عن هذا السؤال؟
(يُتْبَعُ)