والمكابرة معها، بسبب أن حسهم الظاهري أو غلط الحس يرى انبساط الأرض، ودوران الشمس، من البديهيات المشاهدة. والحال أن تشويش الأذهان - لا سيما في مقدار عشرة أعصر، لتشهي بعض أهل زماننا - مناف لمنهاج الإرشاد، وروح البلاغة، يا هذا، لا تظنن قياس أمثالها، على النظريات المستقبلة من أحوال الآخرة. إذ الحس الظاهري لما لم يتعلق بجهة منها بقيت في درجة الإمكان، فيمكن الاعتقاد والاطمئنان بها فحقها الصريح التصريح بها، لكن ما نحن فيه لما خرج من درجة الإمكان والاحتمال في نظرهم - بحكم غلط الحس - إلى درجة البداهة عندهم فحقه في نظر البلاغة الإبهام، والإطلاق، احترامًا لحسياتهم، وحفظًا لأذهانهم من التشويش. ولكن مع ذلك أشار القرآن الكريم، ورمز، ولوح، إلى الحقيقة، وفتح الباب للأفكار، ودعاها للدخول، بنصب أمارات وقرائن. فيا هذا، إن كنت من المنصفين إذا تأملت في دستور (كلم الناس على قدر عقولهم) (15) ( http://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:a93C1cF5rOYJ:www.jameataleman.org/book/SORCE/SORCE2.HTM+%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86+%D 8%AE%D8%B7%D8%A8%D8%A9+%D8%A3%D8%B2%D9%84%D9%8A%D8 %A9+,+%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B1%D8%B3%D9%8#(1 5 ) ) ورأيت أن أفكار الجمهور، لعدم استعداد الزمان، والمحيط، لا تتحمل، ولا تهضم التكليف، بمثل هذه الأمور، التي إنما تتولد بنتائج تلاحق الأفكار - لعرفت أن ما اختاره القرآن من الإبهام والإطلاق، من محض البلاغة، ومن دلائل إعجازه. أما الجواب عن الشبهة الثالثة: وهو إمالة بعض ظواهر الآيات إلى منافي الدلائل العقلية، وما كشفه الفن. فاعلم، أن المقصد الأصلي في القرآن: إرشاد الجمهور، إلى أربعة أصول هي: إثبات الصانع الواحد، والنبوة، والحشر، والعدالة، فذكر الكائنات في القرآن: إنما هو تبعي، واستطرادي للاستدلال، إذ ما نزل القرآن لدرس الجغرافيا والقوزموغرافيا، بل إنما ذكر الكائنات للاستدلال بالصنعة الإلهة، والنظام البديع على صانع النظام الحقيقي جل جلاله. والحال: أن أثر الصنعة. والقصد، والنظام، يتراءى في كل شيء. وكيف كان التشكل فلا علينا إذ لا يتعلق بالمقصد الأصلي. فحينئذ ما دام أنه يبحث عنها للاستدلال، وما دام أنه يجب كونه معلومًا قبل المدعي، وما دام أنه يستحسن وضوح الدليل - كيف لا يقتضي الإرشاد والبلاغة، تأنيس معتقداتهم الحسية، ومماشاة معلوماتهم الأدبية، بإمالة بعض ظواهر النصوص إليها، لا ليدل عليها، بل من قبيل الكنايات، أو مستتبعات التراكيب، مع وضع قرائن وإمارات تشير إلى الحقيقة لأهل التحقيق.مثلًا لو قال القرآن الكريم في مقام الاستدلال: أيها الناس، تفكروا في سكون الشمس مع حركتها الصورية، وحركة الأرض اليومية والسنوية، مع سكونها ظاهرًا، وتأملوا في غرائب الجاذب العمومي، بين النجوم، وانظروا إلى عجائب الكهرباء، وإلى الامتزاجات غير المتناهية بين العناصر السبعين، وإلى اجتماع ألوف ألوف الحيوانات في قطرة ماء، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير) لكان الدليل أخفى وأغمض، وأشكل، بدرجات من المدعي. وإن هذا لمناف لقاعدة الاستدلال، ثم لأنها من قبيل الكنايات، لا يكون معانيها، مدار صدق وكذب. ألا ترى أن لفظ (قال) ألفه يفيد خفة، سواء كان أصله واوًا أو قافًا أو كافًا.الحاصل: بما أن القرآن الكريم نزل لجميع البشر في جميع الأزمان، فالنقط الثلاث المذكورة من دلائل إعجازه (إشارات الإعجاز 180 - 182) .
ويرى الأستاذ سعيد النورسي في قصص معجزات الأنبياء عليهم السلام إشارات إلى المكتشفات العلمية الحديثة أيضًا.ومعلوم أن القصص القرآنية ليست مسوقة لتعليم الحوادث التاريخية فقط. بل لها عدة أغراض، من بينها الإشارة والإرشاد إلى بعض الأمور الدنيوية.
(يُتْبَعُ)