والجملة الأخيرة من الآية صريحة، في أن القرآن يحتوي على بعض الحقائق، التي ستتضح بمرور الأزمان.يقول المفسر شهاب الدين الآلوسي في تفسيره المسمى بروح المعاني، عند تفسير الآية المذكورة ما نصه:"فالتأويل: نوع من التفسير، والإتيان: مجاز عن المعرفة والوقوف، ولعل اختياره للأشعار بأن تلك المعاني متوجهة إلى الأذهان منساقة إليها بنفسها. وجوز أن يراد بالتأويل: وقوع مدلوله وهو عاقبته وما يؤول إليه. وهو المعنى الحقيقي عند البعض، فإتيانه حينئذ مجاز عن تبينه وانكشافه أي:"ولم يتبين لهم إلى الآن تأويل ما فيه من الإخبار بالغيب، حتى يظهر أنه صدق أم كذب .. والمعنى: أن القرآن معجز من جهة النظم، ومن جهة الإخبار بالغيب، وهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه، ويتفكروا في معناه، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة (روح المعاني 11/ 120) .وكذا قوله تعالى?سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِيأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِبِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ? (فصلت:53) .هذه الآية صريحة في أن الله يظهر بعض الآيات أي بعض الحقائق القرآنية، بعد زمن النزول.
فلنقرأ ما كتبه المفسر ابن كثير (المتوفي سنة 774هـ) الذي هو أبعد المفسرين، عن التفسير المسمى بالعلمي، قال رحمة الله في تفسير هذه الآية الكريمة:"أي سنظهر لهم دلالاتنا، وحججنا، على كون القرآن حقًا، منزلًا من عند الله عز وجل على رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم بدلائل خارجية، في الآفاق من الفتوحات، وظهور الإسلام على الأقاليم، وسائر الأديان (…) ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه، وفيه، وعليه، من المواد والأخلاط، والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم (التشريح الدال، على حكمة الصانع، تبارك وتعالى) تفسير ابن كثير 7/ 175. وقال ابن زيد: (آفاق السموات) : نجومها، وشمسها، وقمرها، اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضًا (تفسير الطبري 25/ 5) . ويصرح ابن كثير بأن هذه الآية تشير إلى بعض الحقائق، التي يدرسها علم الأحياء، وعلم التشريح، وابن زيد من السلف يفسر (الآيات) بعلوم الكون، بينما كان ابن جرير الطبري لا يلتزم هذا التفسير، نًا بأن السموات والشمس والقمر، كانت مشهودة ومعلومة عندهم."
وقال الأستاذ النورسي، دفعًا لبعض الشبه، في هذه الموضوع: ثم اعلم أن آية: ?وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَافَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْكُنْتُمْ صَادِقِينَ? (البقرة:23) .تشير إلى أن أناسًا بسبب الغفلة عن مقصود الشارع في إرشاد الجمهور وجهلهم بلزوم كون الإرشاد بنسبة استعداد الأفكار وقعوا في شكوك وريب منبعها ثلاثة أمور (…) .
والثاني: أنهم يقولون: إن القرآن الكريم أطلق وأبهم، في حقائق الخلقة، وفنون الكائنات، مع أنه مناف لمسلك التعليم والإرشاد.
والثالث: أنهم يقولون إن بعض ظواهر القرآن الكريم أقرب إلى خلاف الدليل العقلي فيحتمل خلاف الواقع وهو مخالف لصدقه.
والجواب وبالله التوفيق: أيها المشككون: اعلموا أن ما تتصورونه سببًا للنقص، إنما هي شواهد صدق، على سر إعجاز القرآن …. .
أما الجواب عن الشبهة الثانية: وهو إبهام القرآن، في بحث تشكيل الخلقة، على ما شرحته الفنون الجديدة، فاعلم: أن في شجرة العالم ميل الاستكمال وتشعب منه في الإنسان ميل الترقي، وميل الترقي كالنواة يحصل نشؤه ونماؤه بواسطة التجارب الكثيرة، ويتشكل ويتوسع، بواسطة تلاحق نتائج الأفكار، فيثمر فنونًا مترتبة، بحيث لا ينعقد المتأخر، إلا بعد تشكل المتقدم، ولا يكون المتقدم، مقدمة للمؤخر، إلا بعد صيرورته كالعلوم المتعارفة. فبناء على هذا السر لو أراد أحد تعليم فن أو تفهيم علم - وهو إنما تولد بتجارب كثيرة - ودعا الناس إليه قبل هذا بعشرة أعصر، لا يفيد إلا تشويش أذهان الجمهور ووقوع الناس في السفسطة، والمغالطة.مثلًا: لو قال القرآن: (يا أيها الناس انظروا إلى سكون الشمس وحركة الأرض واجتماع مليون حيوان في قطرة، لتتصوروا عظمة الخالق) لأوقع الجمهور: إما في التكذيب، وإما في المغالطة مع أنفسهم،
(يُتْبَعُ)