والناظر في أحوال الأمة وأسباب ذلها في زماننا؛ يعلم علم اليقين أن من أهم هذه الأسباب تحقق ما أخبر به الصادق المصدوق فيها حين قال: (إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [متفق عليه] .
فالمتأمل في تاريخ أمتنا وما قدمته من مواقف عز ونصر وفداء يرى العلماء دوما في مقدمة الصفوف والناس من ورائهم؛ فإذا تراجع علماؤهم فهم متراجعون أو منحرفون متخبطون لا محالة.
والله يعلم وحده - فضيلة الشيخ الوالد الحبيب - كم أدخلتم علينا وعلى شباب الأمة من سرور واعتزاز وأعدتم الأمل إلى قلوبنا بإعزاز هذا الدين وجلاد أعدائه بمواقفكم المشرفة التي تصلنا أخبارها دوما وبفتاواكم التي لا تأخذكم فيها لومة لائم مادامت ترضي الرب تبارك وتعالى وتنصر دينه.
وكم - والله - أتمنى لو أكون قريبا منكم فأصير لكم أنا وأولادي وأهل بيتي - لا أقول طلبة وحسب - بل خدما مخلصين نتشرف بخدمتكم وخدمة أمثالكم من العلماء حقا، كما نحسبكم والله حسيبكم.
فنحن - فضيلة الشيخ - نحفظ لعلمائنا الربانيين حقهم ونعرف فضلهم، ونتشوّق إلى أن نضع ركبنا إلى ركبهم في مجالس العلم والدين، وليس كما يرمينا خصومنا بأننا أكلة لحوم العلماء، وذلك لشدتنا وعدم تسامحنا في الإنكار على علماء الحكومات الذين شوّهوا هذا الدين وأذلوه على أبواب السلاطين، فما أولئك عندنا بالعلماء ولو حازوا كثيرا من الألقاب وجمعوا من أبواب العلم والفقه والإفتاء؛ فإنما العلم الخشية، {إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء} .
أما أولئك العملاء فكتاباتهم وفتاواهم التي يرقعون فيها للباطل ويجادلون فيها عن الذين يختانون أنفسهم من الطواغيت وأنصارهم - لا لحومهم - هي المسمومة، وعادة الله في فضحهم وكشف باطلهم ولو بعد حين معلومة.
ووالله لولا هذه الحال التي وصلت إليها أمتنا بتخاذل أولئك المنتسبين للعلم، وندرة العلماء الربانيين أمثالكم كما نحسبكم والله حسيبكم؛ لما جاز لأمثالي إلا أن يجلسوا في حلق العلم ويتعلموا، لا أن يعلموا ويتصدروا لمثل هذه المعوصات التي اضطررنا للخوض والكتابة فيها، والتي لا تصلح إلا للجهابذة والأسود من أهل العلم، فما الأمر إلا كما قال العلامة حمد بن عتيق رحمه الله، وقوله والله يصدق فيّ وفي أمثالى لا فيه وفي أمثاله من العلماء الربانيين: