ادعاؤها" [1] ."
وقد جاء فقهاء المالكية بعد إمامهم فزادوا الأمر وضوحًا وتفصيلًا؛ فأقاموا تفرقة بين عمل أهل المدينة المبني على الاجتهاد، وبين العمل المبني على النقل [2] ؛ فالثاني حجة دون الأول على رأي طائفة من المالكية [3] .
وقد وجد في مذاهب أخرى ما يدل على مراعاة الترجيح بالعمل دون ذكر قطر بعينه؛ فالإمام أحمد -رحمه الله- قال:"شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها" [4] . وهو يدل على اعتبار العمل عنده.
كذا نقل عنه عمل بحديث ضعيف لكون العمل عليه، وهو حديث"العرب أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا" [5] ؛ فقيل له: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟
قال: العمل عليه.
قال الموفق: أي: أنه يوافق أهل العرف [6] .
وكذلك يرجح بالعمل عند الشافعية؛ فقد ذكر ابن الصلاح -رحمه الله- في أحكام المفتي والمستفتي: أن القول القديم إذا قيل فيه إنه جرى به العمل فإن هذا يدل على أن
(1) ترتيب المدارك، للقاضي عياض، طبعة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب، (1/ 43) .
(2) ترتيب المدارك، للقاضي عياض، (1/ 47 - 53) ، إعلام الموقعين، لابن القيم، (2/ 392) وما بعدها.
(3) وقد فصَّل ابن تيمية في هذه المسألة تفصيلًا مفيدًا في مجموع الفتاوي، (20/ 294) وما بعدها.
(4) طبقات الحنابلة، لأبي يعلى، (2/ 140) .
(5) أخرجه: البيهقي في"السنن الكبرى"، كتاب النكاح، باب: اعتبار الصنعة في الكفاءة، (7/ 134) ، وابن عدي في"الكامل"، (5/ 95، 209) -ومن طريقه وطريق غيره: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في"العلل المتناهية في الأحاديث الواهية"، تحقيق: خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1403 هـ، (2/ 617، 618) ، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"العرب أكفاء بعضها بعضًا قبيل بقبيل، ورجل برجل، والموالي أكفاء بعضها بعضًا قبيل بقبيل، ورجل برجل، إلا حائك أو حجام"، ورُوي من حديث أم المؤمنين عائشة، ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما-. وضعَّفه البيهقي وابن الجوزي وغيرهما.
(6) العرف، لعادل قوته، (1/ 121) .