المسح على الجرموق خلافًا لقوله الجديد بالمنع من ذلك، تحرزًا من انفراد الشافعي عن سائر العلماء الذين وافقوه في مذهبه القديم. قال المزني -رحمه الله-:"قال الشافعي: ولا يمسح على جرموقين. قال (يعني الشافعي) في القديم يمسح عليهما."
قال المزني: قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافًا، وقوله (يعني قول الشافعي) معهم (يعني مع العلماء) أولى به من انفراده عنهم" [1] ."
ومن هذا القبيل: ترجيح الموفق ابن قدامة إحدى الروايتين عن أحمد -رحمه الله- باعتبارات عدة، منها: أنه قول أكثر أهل العلم، ومن أمثلة ذلك: اختلاف الروايتين عن أحمد في من جنى على سن فسودها هل فيها حكومة، أم ثلث الدية؟ [2] ، ومن أمثلته: ما قاله الموفق في مسألة الموضحة في الوجه والرأس وأنها فيهما سواء، وقد روى عن أحمد ما يخالف ويوافق هذا، قال الموفق:"وحمل كلام أحمد على هذا (يعني التسوية فيهما) أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر وقول أكثر أهل العلم" [3] .
ومن هذا القبيل: ترجيح الإمام ابن بطال المالكي لإحدى الروايتين عن مالك -رحمه الله- تعالى في مسألة التكبير بعد الفراغ من التشهد الأول من حين بدء قيامه إلى الركعة الثالثة أو بعد انتصابه قائمًا،"قال ابن بطال: وهذا الذي يوافق الجمهور أولى (يعني الرواية الأولى) ، قال: وهو الذي تشهد له الآثار". نقله عنه النووي -رحمه الله- [4] .
قال الحافظ ابن الصلاح -ذاكرًا بعض ما يترجح به أحد القولين للشافعي أو الوجهين
= مجابَ الدعوة متقلِّلًا من الدنيا، صنف كتبًا كثيرة، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمنثور وغيرها، توفي سنة 264 هـ. طبقات الفقهاء، للشيرازي، (ص 97) ، سير أعلام النبلاء، (12/ 492) .
(1) مختصر المزني، في فروع الشافعية، لأبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، تحقيق: محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1419 هـ - 1998 م، (ص 19) .
(2) المغني، لابن قدامة، (12/ 156) .
(3) المرجع السابق، (12/ 160) .
(4) المجموع، للنووي، (3/ 462) .