وعندما كانت طائرات البي 52 وصواريخ كروز وتوماهوك وغيرها تنهال على القرى والمدن وخنادق المقاتلين في أفغانستان، وكان المتحمسون يحرّضون الشباب في بلادنا للحاق بتلكم الخنادق للمشاركة بالقتال ونصرة إخواننا في أفغانستان، كنت أكتب وأتكلم بصراحة أحتسب عند الله ما كلفتني، وأقول: ألا يمكن نصرة إخواننا في أفغانستان إلا بأن نتجشم المسافات ونقطع المفاوز والعقبات كي نقف إلى جنبهم في الخنادق وتحت الحمم التي تلقيها الطائرات والقنابل التي تقذفها المقاتلات ..
وكنت أقول: لماذا نضيّق نصرة إخواننا بذلك ونحن نراهم في ذلك المأزق والأفغان ينحازون من مدينة إلى مدينة ويطلبون من العرب الخروج؟ ولماذا نحجّم الخنادق بهذه الطريقة البدائية؟ ألا يمكننا نصرة إخواننا وأن نكون جنبًا إلى جنبهم وفي الخندق ذاته ونحن في مواقعنا وفي بلادنا التي نحن أعرف بشعابها؟ بل ربما كان ذلك أسهل للمجاهدين وأنكى وأوجع وأقسى على أعداء الله الذين كانوا يتجولون آمنين في شوارعنا وبين ديارنا ..
وأنا هنا لا أعتب على الشباب المتحمس الذي لم تنضج نظرته إلى الجهاد وسطحيته في التعامل معه وإن كنت أكتب جل ما أكتبه له ولتوجيهه؛ بقدر ما أعتب على المشايخ والرؤوس والمرجعيات الذين انساقوا خلف الحماس، وخرجوا عن طورهم وخطهم الذي اختاروه عن علم ومعرفة وروية، وتعاملوا مع الأمر بتلك السطحية فتركوا حقول دعوتهم وإعدادهم ونقضوا غزلهم وشدوا الرحال دون تدبر ونظر، متجشمين العقبات مستعملين كل ما يقدرون عليه من وسائل التزوير والمراوغة والتهريب، ليقطعوا حدود بلادهم ثم حدود إيران أو باكستان للوصول إلى تلك الخنادق في أفغانستان، فمنهم من وصل ففوجئ بالأوضاع ثم عاد فخرج بناء على طلب الطالبان ومنهم من اعتقل في إيران أو الباكستان ..
هذه السطحية في التعامل مع الجهاد وخنادقه، وهذه الدروس المتكررة هنا وهناك ألا تحتاج إلى إعادة نظر وتدبّر ونضج وتفكّر؛ كي نعطي الجهاد حقه ومكانته وحجمه الحقيقي ونتعامل معه على أكمل الوجوه وأرقاها وأقومها؟ علّنا نقطف بعد ذلك ما نصبوا ونتطلع إليه ونتمناه من الثمرات ..
سألني أحد أصحاب السجن ونحن نتحدث في أحوال المجاهدين والأمة، وحديث السجون ذو شجون .. فقال: هل تظن من خلال اطلاعك على واقع الأمة أن جيلنا سيدرك التمكين وإقامة دولة الإسلام؟ فقلت: ربما يدرك أولادنا أو أحفادنا تمكينا محدودًا أو دولة ليست بمستوى الطموح والآمال ..
قال: ولم .. ؟
قلت: هذا ليس تشاؤمًا ولا تثبيطًا وأسأل الله صادقًا أن أكون في ذلك مخطئا؛ ولكنها الواقعية فالمكتوب كما يقال يقرأ من عنوانه .. والتمكين له شروطه والدولة لها رجالها .. وأنا لا أضع في حساباتي المعجزات، ولو كان كلامي مبنيا عليها فالله على كل شيء قدير، ولو شاء الله لانتصر لدينه ولمكّن لعباده من غير جهاد ولا شهداء، ولكنها سنة الله الماضية ليبلو بعضنا ببعض ويتخذ من المؤمنين شهداء، وليتميز حزبه من حربه ..
وإنما أجيبك بناء على واقع المسلمين اليوم وهل هم مؤهلون للتمكين الذي نحلم به والدولة التي نتطلع إليها!؟ دعك من الشباب المتحمس الذي نتحدث عنه ونتألم لسطحيته التي يتعامل بها مع الجهاد؛ وتأمل فقط قياداتهم ومرجعياتهم ورؤوس الأمة المخلصين منهم والمجاهدين المتصدرين لقيادتها والمتصدين لأعدائها، وانظر إلى مستوى تفكيرهم ودرجة نضوجهم وفهمهم للجهاد، وكيفية تعاطيهم مع مشروع إقامة الدولة، لتعرف الجواب على سؤالك.