الوقفة السادسة عشر: بين الجائز والأصلح .. وبين المشروع والأنفع ..
{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}
سألني صاحب من أصحاب سجني عن رأيي في إعلان تبني بعض المجاهدين ذبح أسير مدني أمريكي وإشهار ذلك أمام الكاميرات ونشره عبر شبكة الإنترنت ليشاهده العالم كله فيصير حديث الساعة للقاصي والداني حتى كاد يغطي على حديثهم عن فضائح الأمريكان أدعياء حقوق الإنسان في سجن أبو غريب!!
فقلت: لا أؤيد ذلك ولا يعجبني، مع معرفتي بحرقة من فعله على دين الله وحرصه على إعزازه وتألمه لما آلت إليه أوضاع أمته وتغيظه من تكالب الأعداء عليها وذلك كله مما دفعه إلى الاستعجال بإعلان ذلك وإشهاره، ومع ذلك كله أؤكد أن ذلك لم يعجبني وتمنيت لو أنه لم يعلنه ولا تبناه .. والأولى بمن ينتمي إلى مدرسة الجهاد الإسلامي العظيم أن لا يعلن أو يتبنى من الأعمال إلا ما لا ينتطح عليه عنزان مما يرفع راية الجهاد نقية وينأى به عن كل ما يكدره أو يمكّن الأعداء من استغلاله في خلط الأوراق وتشويه المجاهدين أو توظيفه لمآرب الأعداء ..
قال صاحبي: عجبا لك، ولماذا لا يعجبك أليس ذلك بجائز؟
فقلت: يا أُخيّه، عندما أقول أن ذلك لم يعجبني فليس هذا لمجرد المخالفة والمماحكة، فليس أحب عندي من الموافقة والموالفة على الخير .. وإنما هو حرصي على استبعاد ما يضر الجهاد وسمعته في زمن لم تعد الحرب فيه موقوفة على القتال وحده، بل الإعلام له نصيب كبير في المساهمة في هذه الحرب، واختيار مني لما هو أنقى وأنفع للدعوة والجهاد والمسلمين في هذه الظروف ..
ولقد كررت مرارًا وتكرارًا في كتاباتي وخطاباتي ودروسي لك ولغيرك أن الدعاة والمجاهدين لن يفلحوا الفلاح الذي يرجون ولن ينفعوا أمتهم وجهادهم كما يتمنون حتى يرتقوا من مستوى النظر في الجائز وغير الجائز وحسب؛ إلى مستوى الموازنة بين النافع من ذلك الجائز وغير النافع منه في هذا التوقيت، والراجح منه والمرجوح والفاضل والمفضول، والمصالح المختلفة في العمل المختار، والمفاسد المتفاوتة في تلك الأمور المفروغ من جوازها ..
يقول تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) أي: أصلح. وقال تعالى: (اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) فالله أمرنا أن نتبع أصلح الأعمال وأحسنها وأحراها نفعًا لديننا، قال سبحانه: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) .
فإننا كمسلمين المفروض أن موضوع الجائز والمشروع والحلال منتهي مفروغ منه عندنا؛ أعني أن ذلك معلوم ومن المسلمات فلا يجوز أن نختار من العمل والجهاد إلا ما كان كذلك فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته، ودين الله ورايته لا تنصر ولا ترفع بالحرام فضلا عن الكفر أو الإشراك، وهذا يجب أن يكون من البديهيات عند العاملين لهذا الدين ومن ألف باء أنصاره ومجاهديه .. ومن ثم فالمسائل لا ينبغي أن تعالج وتطرح على بساط البحث من هذا المنظور وحسب، بل كما قلنا مرارا وتكرارًا يجب أن يراعى في معالجتها واختيارها الأنفع للجهاد والأصلح للمسلمين والأنكى لأعدائهم ..