معلوم عند أهل السنة والجماعة جواز القتال مع الأمير الفاجر لدفع العدو الكافر إذا لم يتوفر الأمير الصالح لدفعه، ولم يمكن الجهاد الا مع الفاجر .. هذه المسالة مشهورة عند أهل السنة والجماعة، وقد تكرر ذكرها عندهم في كتب الفقه بل والعقائد حيث خالفوا بها أهل البدع، وهي مسالة مبنية على قاعدة دفع اعظم المفسدتين باحتمال أدناهما وهي قاعدة معروفة من قواعد الفقه ...
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى (28/ 506) : (من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، كما اخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لانه إذا لم يتفق الغزو الا مع الأمراء الفجار، أو مع معسكر كثير الفجور، فانه لا بد من أحد أمرين؛ إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم اعظم ضررا في الدين والدنيا، واما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع ألافجرين و إقامة اكثر شرائع الإسلام وان لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع الا على هذا الوجه) . اهـ.
وقال الطحاوي: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما) اهـ.
وروي في ذلك حديث بلفظ (الجهاد ماض مع البر والفاجر) أخرجه أبو داوود وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا عن أبى هريرة وقال ابن حجر في الفتح: (لا باس برواته الا ان مكحولا لم يسمع من أبي هريرة) .
كما قلت هذا أمر معلوم عند أهل السنة والجماعة، وقد بنى عليه كثير من شبابهم في زماننا مشاركتهم في كثير من جبهات القتال .. ولكن الأمر الذي يخفى على كثير من شبابهم وارغب بالتنبيه عليه هنا كون المقصود"بالأمير الفاجر"الذي جوز أهل السنه الغزو والقتال معه دفعا للعدو الكافر في حال عدم إمكان دفعه الا بالغزو مع ذاك الفاجر ..
أقول؛ المقصود بالفاجر هنا هو ذاك الذي يكون فجوره على نفسه كمن يتعاطى بعض المعاصي كشرب الخمر ونحوها من أنواع الفسق التي لا تضر بالمسلمين، فهذا هو الأمير المقصود بمن جوز أهل السنة الغزو معه واحتمال فجوره لدفع العدو الكافر، بدليل اعتمادهم في ذلك على قاعدة دفع اعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، فذلك صريح بان شرط جواز الغزو مع الأمير الفاجر منوط بكون مفسدته قطعا أدنى من مفسدة الكافر ولذلك احتملت لدفع ما هو اعظم منها ..
بخلاف ما إذا كان فجور الأمير وضرره متعديا إلى الإضرار بالمسلمين بحيث تكون مفسدة تأميره أو الغزو معه مساوية أو اعظم من مفسدة ترك قتال الكفار، فليس هذا الفاجر مقصودا بحال عند أهل السنة في مقولتهم تلك.
ولو تأملت أقاويلهم في هذا الباب و القاعدة المتقدمة التي اعتمدوا عليها في ذلك، لما شككت في هذا التفريق طرفة عين ..