أقول .. لماذا عندما تتعلق المسألة بمطعمنا ومشربنا أو ملبسنا ومنكحنا لا نقنع في البحث والنظر فقط في الجائز والمباح والمشروع؛ بل نصطفي من ذلك لأنفسنا أطايب الطعام والشراب واللباس وحسان النساء ..
أما عندما تتعلق المسألة أو الاختيار بالدين والدعوة والجهاد نقبل له ونقنع بأي شيء، وجميل بل رائع وكثير - وربما يمن بعضنا - إذا كان ذلك في نطاق المباح أو المشروع أو الجائز وسلم من الحرام!!
أليس مباحًا وجائزًا ومشروعًا مثلًا أن تتزوج امرأة شلاء عوراء برصاء، لا شك أن ذلك جائز ومشروع ولك فيه أجر، فلماذا إذن تحرص وتفتش وتجتهد على أن تختار المعافاة بل والجميلة .. ؟؟
وتحضرني هنا لطيفة لعلي ألطف بها جفاف الموضوع فقد حدثني أحد إخواننا الذين كانوا في البوسنة أن مجموعة من الشباب العرب طلبوا من بعض المجاهدين هناك أن يسعى في تزويجهم ببعض الأخوات البوسنيات اليتيمات بدعوى الستر عليهن وكفالتهن وذكروا ما تعرضت له البوسنة من مذابح واغتصاب واستباحة للأعراض وأظهروا شفقتهم وحرصهم وألحوا عليه في ذلك، فواعدهم الأخ أن يرد عليهم بعد أيام ثم أعادوا الإلحاح عليه في الأمر، فقال لهم: لقد فكرت في طلبكم وأقدّر لكم حرصكم ونخوتكم، وأنا أعرف أخوات كثيرات فقيرات ويتيمات في كثير من دول أفريقيا كأثيوبيا والصومال ونحوها وسأسعى لكم إن شئتم للزواج منهن وكفالتهن!! فما كان من أولئك الشباب إلا أن واعدوه كما فعل هو أولًا ليردوا عليه بعد أيام؛ إلا أنهم ذهبوا ولم يرجعوا!!
أقول: لماذا خرجوا ولم يرجعوا؟ أليس ذلك الذي عرض عليهم جائز ومشروع بل وفيه أجر؟!
أم أن المسألة هنا لا يكتفى ببحثها في نطاق الجائز والمشروع، بل تدقق وتحقق في مجال الأفضل والأكمل والأحلى والأجمل!!
يا إخواننا أيصح أو يعقل أن لا نرضى لمطعمنا وملبسنا ومنكحنا إلا بمعالي الأمور وصفوتها، ونقنع لديننا وجهادنا ودعوتنا بسفاسفها .. ؟
حفظ الله أم نضال الفلسطينية تلك المرأة التي بعثت ابنها محمود إلى مستعمرة يهودية في فلسطين فاقتحمها برشاشه وقنابله بعد أن كمن سبع ساعات ينتظر صيده فقاتل وقتّل حتى قتل، وحين سئلت أمه عنه بعد مقتله، قالت فيما قالته أنها كانت تعده لمثل هذا اليوم، وكانت تمنعه من المشاركة في رجم اليهود بالحجارة كي لا يصاب بطلقة تعيقه عن القيام بما تدخره له من عمل عظيم تتمناه له، وتقول له: أنا أريدك لشيء أكبر من رجم الحجارة، وتقول: عندي ستة أولاد مستعدة كي أقدمهم في سبيل الله لكن بعمل مشرف مثل الذي قام به محمود ..
متى ينضج الشباب المجاهد فيعمل فكره على هذا النحو وأعظم منه؟ إن ثلاثة أرباع جهودنا وأموالنا وتضحيات إخواننا مبعثرة اليوم بسبب قصر نظرهم أو قصر نظر رؤوسهم وقادتهم في أعمال مرجوحة مفضولة بدعوى أنها أعمال مشروعة!!