فمتى يتوجه جهدنا ويتركز جهادنا على مراعات الأصلح والأنفع للأمة؟ وعلى اختيار الأسدى والأجدى لها والأنكى في أعدائها؟
ولا يتوقف عند حدود الجائز والمشروع وكفى، بل يغوص في أعماق الجائز والمشروع فيختار وينتقي منه الأشرف والأعظم والأنقى مما يرفع راية الجهاد مشرقة ناصعة ..
قلت لمحدثي - وهو ممن حكم بالسجن المؤبد لتفجير بعض دور السينما والخمارات ثم نضج وارتقى تفكيره عن ذلك المستوى مع طول فترة السجن وطلب العلم فيه - قلت: إذا لم يعجبك كلامي هذا ولم تقنع به فإن خرجت من السجن فارجع إذن إلى تفجير دور السينما والخمارات مرة أخرى، في وقت يتطلع فيه المسلمون اليوم إلى عظائم الأمور ويتصدون فيه لأعتى قوى الأرض جاهدين أن تكون لهم دولة وكلمة في إدارة هذا العالم ودحر الكفر فيه؛ وهم بحاجة لتحقيق مثل هذه الغاية لكل جهد ولكل قطرة دم ولكل مخلص ومجاهد؛ دع أنت عنك المشاركة في هذه المعالي وارجع وافتح الحرب على فساق المسلمين وعوامهم وفجّر دور السينما التي يرتادونها ..
أليس هذا جائزًا ومشروعًا وإنكارًا للمنكر .. ؟! ..
قال: لا أفعل هذا ولا أبدأ به فقد فهمت وتعلمت وأصبو لما هو أعظم ..
قلت: إذا لم يستوعب عقلك ما قلته لك ففهمك وعلمك لا زال بحاجة إلى نضوج، وما فهمت بعد ولا علمت الفهم والعلم الذي يتناسب مع الواقع وتحديات العصر وحاجات ديننا وأمتنا ..
فإذا تأملت الضجة التي حصلت على إثر إعلان نشر صور ذبح ذلك الأمريكي الذي يسمى في عرف زماننا مدنيا، مع قطع رأسه عيانا على شاشات التلفزة بعد ذبحه والذي يعده بعض أهل العلم من التمثيل ..
وتابعت استغلال أعداء الله وعلماء السوء لهذه الحادثة وتوظيف الأمريكان والطواغيت لها لتشويه الجهاد وأهله والتشنيع عليهم وتنفير عوام المسلمين عموما والعراقيين خصوصًا عن المجاهدين، وغير ذلك من المفاسد دون فائدة أو عائدة عظيمة لإعلان ذلك وإشهاره وتبنيه؛ علمت أن من فعل ذلك لم يكن موفقًا في اختياره هذا، وأنه كي يفوت على أعداء الله هذا كله فيجب عليه أن يرتقي بتفكيره إلى معرفة حقيقة المعركة مع أعداء الله اليوم وحقيقة أسلحتها وأدواتها؛ وأنها لا تتوقف على ذلك السكين الذي ذبح به ذلك الأمريكي وأن النضوج وسعة الأفق في فهم الجهاد وأدواته ليس في كبر ذلك السكين وعظمه وإنما في شمولية الجهاد وأدواته للإعلام وغيره وتوسع مدارك أهله له، ونضوج اختياراتهم؛ فتارة يتركون أشياء وأعمال لأمور أهم، وتارة يقدمون شيئًا على شيء لتوقيت معين، وتارة يفعلون ويختارون دون أن يتبنوا ويعلنوا وتارة يعلنون ويشهرون ما فيه مصلحة خالصة وعملا نقيًا لا ينتطح عليه عنزان ولا يماري فيه إنسان، فإن هم فعلوا ذلك وظفوا إعلام الأعداء إضافة إِلى إعلام المجاهدين ووجّهوه كما يريدون هم، لا كما يريد أعداؤهم إذ لم يتركوا مجالًا لهم في استغلال عثرة أو توظيفها لأهدافهم ومآربهم الخبيثة، ومثل هذا الأمر لا يكفي لتحقيقه والنجاح فيه علم الشرع وحده وإن كان ضروريًا بل لا بد معه من متابعة ذكية وحثيثة للواقع ومجرياته والأعداء ومكايدهم وتأمل في ظروف الأمة وأحوج حاجاتها وأعظم مصائبها ..