وإذا قلت لي يا شيخ؛ لقد أبعدت النجعة وضيقت واسعًا فرسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بعض الناس صبرًا (أي في الأسر) وقتل غالبية رجال بني قريظة وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ..
قلت: أجل، ولا أشك أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ولو تدبرته وفهمته وحلّلته وتأملته أفلحت كل الفلاح ..
ولذلك نص العلماء المحققون المتبصرون بذلك الهدي العظيم على تخيير الإمام في الأسارى بين المن أو الفداء أو تبديل أسارى المسلمين بهم أو القتل أو غير ذلك من الاختيارات بحسب دين الأسير وشدة عداوته وخطره ..
والاختيار في ذلك كله يرجع كما نصوا إلى (ما هو أحظى وأنفع وأصلح للإسلام والمسلمين) .. تأمل؛ عدنا إذن إلى الأحظى والأنفع والأصلح؛ وهذا الذي ندندن حوله ونحث عليه ونوجه المجاهدين دوما إليه في كل أبواب الجهاد اليوم ..
ولو تأملت واستقرأت معي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسارى لرأيت أنه لم يكن يجري فيهم على سياسة واحدة، بل كان يمن تارة كما فعل مع ثمامة بن إثال وتارة يقبل بالفداء والعوض وتارة يقتل بعضهم قودًا وقصاصًا أو غيره كما فعل مع العرنيين الذين ارتدوا وقتلوا الرعاة وسملوا عيونهم فاقتص منهم مثلا بمثل .. وقتل بعض الكفار وهو متعلق بأستار الكعبة مشهرًا قتله على رؤوس الناس تأديبًا لكل طاعنٍ في الدين محاربٍ أو هاجٍ للإسلام والمسلمين .. وهو في كل ذلك لم يقتل صبرًا وبهذه الطريقة المعلنة إلا أشد الناس عداوة له ولدينه ..
فعبد العزى أو عبد الله بن خطل الذي قتله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق باستار الكعبة كان من بين بضعة نفر أهدر صلى الله عليه وسلم دمهم يوم فتح مكة من بين سائر الناس الذين كفروا بدينه وحاربوه، وذلك لشدة عداوة هؤلاء النفر وحرابتهم وهجائهم للإسلام والمسلمين ..
فعبد الله بن خطل كان قد أسلم فبعثه رسول الله وبعث معه رجلا من الأنصار فقتل الأنصاري وارتد مشركًا وصار يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له قينتان تغنيان بهجائه على مسامع المشركين فقتله النبي صبرًا وقتل إحدى قينتيه كذلك ..
ومنهم مُقيس بن صبابة وكان قد ارتد بعد إسلامه وقتل ولحق بالمشركين يطعن في رسول الله ويحاربه أشد الحرابة ..
فتأمل تميّز جرائم من قتلهم صبرًا عن سائر أهل مكة الذين أمنهم جميعًا .. فهؤلاء قد جمعوا بين الردة والقتل وخصوصية الحرابة والعداوة والطعن ولذلك استدل شيخ الإسلام بقتلهم صبرًا من بين سائر مشركي مكة على وجوب قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم ..
ومع ذلك فمن فرّ من هؤلاء وأسلم واستؤمن له عفى عنه كهبّار بن الأسود الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت فنخس ببعيرها حتى سقطت على صخرة وكانت حامل فأسقطت جنينها .. وكعكرمة بن أبي جهل وكقينة ابن خطل الأخرى وغيرهم ..