فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 115

ومن أسارى بدر لم يقتل صبرًا من المقاتلين الأسارى إلا النضر بن الحارث الذي كان يسبه ويؤذيه بالقول والفعل أذىً شديدًا ومثله عقبة بن أبي معيط والذي كان إضافة إلى مبالغته في أذى وتعذيب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الطعن في القرآن والنبي وآذاه وخنقه بردائه خنقًا شديدًا ليقتله ووضع على ظهره سلى الجزور وهو ساجد .. فلم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسارى صبرًا غيرهما ..

أما بنو قريظة فقد كانوا كما يقول ابن القيم في الزاد: أشد اليهود عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأغلظهم كفرًا ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم من يهود بني قينقاع والنضير.

فقتل مقاتلتهم كما في البخاري وذلك بعد أن نقضوا عهده وأعانوا كفار قريش وظاهروهم عليه وألبوهم وألبوا غطفان وغيرهم على حربه وكانوا سببا في وقعة الخندق فلا عجب أن يعاملهم صلى الله عليه وسلم بذلك من بين سائر اليهود ومع ذلك فمن عظيم فقهه صلى الله عليه وسلم ومراعاة منه لحدثاء الإسلام من أصحابه من الأنصار ودفعا لأي مفسدة متوقعة؛ لم يبادر هو إلى الحكم بقتلهم بل رد حكمهم إلى حلفائهم ومواليهم من الأوس، فاختار بنو قريظة بأنفسهم وقبلوا أن ينزلوا على أي حكم يحكمهم به حليفهم سعد بن معاذ فحكم رضي الله عنه بقتل مقاتلتهم ..

وهكذا وبالاستقراء لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل صبرًا من أهل الحرب غير مقاتل أو مدني كما يسمونه اليوم بل لم يقتل حتى من المقاتلين صبرًا إلا من تميّز منهم بغلظة كفره وشدة عداوته وحربه وسبه وهجائه له وللمسلمين، ولا شك أن في ذك حكمة منه بالغة ووسطية في الاختيار وعدم اكتفاء منه بالنظر في شرعية ذلك وجوازه وحسب، بل اعتباره لمصلحة الإسلام والمسلمين واختياره للأنكى في أعداء الله المحاربين، فيؤدب بذلك ويشرد به من خلفه من كل عدو محارب خبيث، ويميّز غيرهم ممن هم ليسوا بشديدي المحاربة له ولدينه ويدفعهم بذلك إلى التزام خطهم وعدم التعدي بالحرابة والعداوة .. إلى غير ذلك من المصالح التي تحققها هذه الوسطية والحكمة في الاختيار ..

وسطية تختار أنكى وأشد أنواع القتل لأخبث الأعداء وأشدهم ضراوة ولا تساوي بهم في ذلك سائر الكفار فضلا عن غير المقاتلين ومن ذلك تجنبه في غالب أمره للمثلة ونهيه عنها وكفّه عن التمثيل بالمشركين الذي كان قد عزم عليه بعد أن رأى تمثيله بعمه حمزة رضي الله عنه .. مع أن العقوبة والجزاء والقصاص بالمثل جائز ومشروع لكنه صلى الله عليه وسلم علّم أمته الأخذ بالأعلى والأصلح والأنقى والأكمل من العمل والجهاد كما وجهه ربه بقوله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ثم أرشد للأفضل والأكمل فقال: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) ، وقال سبحانه: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ثم قال: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وقال عز وجل: (والجروح قصاص) ثم قال: (فمن تصدق به فهو كفارة له) .

أقول: هذا الطموح الذي أحب دومًا لفت أنظار إخواني المجاهدين والدعاة إليه وأسعى جاهدًا لتوجيه هممهم وآمالهم إِليه، وحث خطاهما نحوه، وتركيز جهودهم عليه، والارتقاء بتفكيرهم إلى مستوى الجهاد الإسلامي العظيم ونقاوته، واعتبار أعظم حاجات أمتهم ودينهم، لتصبح اختياراتهم لا محكومة فقط بفلك الجائز والمشروع تدور وتتردد فيه وحسب، بل كما أسلفت تغوص في أعماق الجائز والمشروع لتستخرج من الدرر ما هو أنفع للأمة والجهاد وأصلح وأجدى وأسدى .. ، وتربي قادة ودعاة ومجاهدين لا ينظرون إلى الجائز والمشروع والمباح نظرة سطحية؛ بل يجيلون النظر فيه ويمحصونه ويدققونه ليرجّحوا منه الأنفع لهذا الوقت أو ذاك، والأصلح من الأعمال والأجدى من الاختيارات والأنكى بل والأقطع للأعداء ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت