فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 115

بل إني أذهب إلى أبعد من هذا فأقول أن الواجب عليهم أن يتعاملوا كذلك، مع الواجبات والفرائض أيضا خصوصًا عند تزاحمها وتعدّدها على أهل الإسلام اليوم ..

فيقدمون الواجب المضيّق أو الراجح والاهم على الواجب الموسع أو المرجوح ..

ففي الجهاد الذي ندندن حوله في حديثنا هذا لا ينبغي أن يحرّض الشباب بدعوى فرضية الجهاد على أي ساحة وعلى أي عمل وتحت أي قيادة .. بل الواجب عليهم مع تزاحم ميادين الجهاد وتعدد ساحاته وكثرة مآسي المسلمين والحروب المستعرة عليهم والأعداء المحاربين لهم والمستبيحين لحرماتهم، أقول يجب عليهم في خضم هذا الواقع أن يختاروا الأولى والأهم والأرجح من الميادين التي يعوّل عليها نصر الإسلام والمسلمين والتمكين لهم ولدينهم، ويصطفوا أنقى الرايات وأنضج القيادات، ولا يكون انتقاؤهم مبنيًا على الحماس الأجوف أو مدفوعًا ومتأثرًا بتطبيل مشايخ وعلماء الحكومات أو تزمير إعلامهم وصحافتهم وفضائياتهم، بل محكوم كما قدمنا وكررنا بالأحظى والأنفع للإسلام والمسلمين والأنقى لجهادهم والأنكى والأقطع لأعدائهم ..

وأن يقدموا ما كان من جنس جهاد الدفع على ما كان من جنس قتال الطلب، لأن جهاد الطلب فرض كفاية، أما جهاد الدفع ففرض عين، ولذلك اشترط العلماء في جهاد الطلب إذن الوالدين وإذن الدائن، بخلاف جهاد الدفع الذي لم يشترطوا فيه شيء من ذلك ..

وليعلموا أن من جنس جهاد الدفع القتال الذي يختار تحرير بعض بلاد المسلمين من طغاة الكفر الداخليين أو الخارجيين والتمكين لأهل الإسلام ودينهم هدفًا لبرنامجه وغاية وأولوية في حساباته، ولذلك يقدم مثل هذا القتال على أي قتال آخر يكون طابعه النكاية المجردة أو أعمال الحسبة المبتورة والمنقطعة ..

بل يقدم على هذا النوع الأخير ويقارب قتال الدفع السعي في فكاك أسارى المسلمين والقتال من أجل تخليص المستضعفين كما قال تعالى: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا) ، وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: (فكوا العاني .. ) أي: الأسير.

ولذا قال النووي: (إذا أسر الأعداء مسلمًا أو مسلمين فالراجح أن المسألة كدخول العدو ديار الإسلام(يعني كقتال الدفع) لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار، فيجب العمل على استخلاص الأسير أو الأسيرين) أهـ.

والعلم بهذا التفاضل والفقه به، والبصر بالواقع ومدى تفاوت الأعداء في خبثهم ودرجة عداوتهم وحرابتهم للإسلام والمسلمين يعين المجاهد على الترجيح بين الواجبات والفرائض المتعددة والمتزاحمة، فيقدم الواجب العيني منها على الكفائي والمضيّق الذي لا يحل السكوت عليه أو تأخيره كأن يكون في تأخيره هتك للأعراض أو استباحة للدماء المعصومة أو نحو ذلك فيقدم ذلك على ما هو أوسع منه من ولا يكتفى في الاختيار مع هذا التزاحم والتعدد بمجرد دعوى الوجوب أو الفرضية .. أسأل الله العظيم أن يهيئ للمسلمين من أمرهم رشدًا وأن يسددهم لما يحب ويرضى .. هو ولي ذلك والقادر عليه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت