هؤلاء العلماء والدعاة الربانيون القوامون لله القائمون بأمره؛ هم سادة أهل الثغور وقادتهم الذين جمعوا بين العلم والعمل وبين الصبر واليقين ..
-العلم الذي يؤهلهم للصدارة والتوجيه، وأن يتخذهم الناس رؤوسًا فيفتوا بعلم وفهم فيهتدوا ويهدوا .. (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) )، فهم المقصود بأولي الأمر في أحد التأويلين لقوله تعالى: (( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) )..
-والصبر واليقين الذي يؤهلهم للإمامة في الدين (( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) )..
لم يخلدوا إلى الأرض؛ بل خرجوا على طواغيت الأرض وكفروا بهم وبشركهم، فكانوا أحق الناس بمسمى أهل الثغور، وأولى الناس بقوله تعالى: (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .. ) )وما رضوا بأن يكونوا مع الخوالف فكانوا بذلك ممن يعلمون ويفقهون كما دل عليه دليل الخطاب في قوله تعالى: (( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) )، ومفهوم قوله سبحانه: (( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ) ).
أليس من تقزيم الجهاد وتحجيمه بل ومسخه عزله عن علمائه الربانيين ودعاته العاملين، وفصله عن علمهم ودعوتهم؟
وكما أن من تحجيم الشهادة وتقزيمها أن يندفع المجاهد إلى تحصيلها دون نظر إلى ما يحققه للدين بشهادته، ودون وضعها في أعظم الأعمال وأنفع الاختيارات لدين الله ..
فكذلك من تحجيم الشهادة حجرها على شهيد المعارك؛ وفصمها عمن يقتل من أولئك العلماء والدعاة الربانيين في سبيل تحقيق التوحيد والدعوة إليه، مع أنهم من ساداتها، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق حين قال: (( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله ) )..
أوليس من تقزيم الرباط في سبيل الله أيضًا تحجيره في بعض البلاد والميادين والساحات والثغور دون بعض، أو حصره في العمليات القتالية وعزله عن الرباط على حراسة ثغور العقيدة والدين في وجه الطواغيت وأذنابهم من علماء السوء، والسهر والثبات على ذلك رغم أذاهم وتعذيبهم وسجونهم وملاحقاتهم؟
وإذا كان إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة رباط، بل ذلكم الرباط كما أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه مسلم؛ فكيف بالرباط لحراسة الدين، والثبات على الحق في وجه الطواغيت والقيام على باطلهم وكفرهم؟
وكذلك أليس من تحجيم الجهاد حصره في العمليات القتالية وعزله عما لا يصلح ولا ينتهض إلا به من متممات ومكملات؟ أليس من تقزيم الجهاد تحقير تلك المكملات والاستخفاف بجهود أهلها؟ مع أن الجهاد لا يقوم إلا بها .. بل هي من الجهاد دون أدنى شك .. ألم يقل الله تعالى: (( انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) )؟ فقدم الجهاد