فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 115

نزكيهم أم لا؟ وذلك بعد أن يكون قد عرف بما عندهم من عمل تنظيمي وخطط وأحلام بتفاصيلها المملة، فما أسهل أن ينفذ أعداء الله إلى مثل هذه التجمعات، وما أسهل أن يخترقوها بسبب هذه السطحية والسذاجة، وإن لم يفعلوا هم ذلك، فما أسرع ان يسربه بعض من عرض عليهم ذلك ولم يوافقوا عليه، هذه الدروشة أو (الهبل) التنظيمي يمارسه بعض من ينتسب إلى التيار الجهادي - واثكلاه - بينما أعرف بعض من ينتسب إلى التنظيمات الأرضية وأيضا الإسلامية المشوشة شرعيا والتي يزدريها وينتقصها أولئك الجهاديون!! رأيتهم يتقنون العمل التنظيمي ويضبطونه إلى حد بعيد؛ فترى الرجل ينتظم معهم سنين يتدرج في سلمهم التنظيمي دون أن يشعر، وتوكل إليه المهام والمسؤوليات حتى يبلغ مرحلة يتعصب فيها لهم ولمشايخهم أو أقطابهم دون أن تعرض عليه يوما كلمة تنظيم أو يسمع بكلمة إمارة أو بيعة أو نحوها، ولذلك ترى عثرات هؤلاء محدودة، بينما يكون الخطأ الأول للآخرين خطأ قاصمًا قاتلًا أخيرًا ..

وآخرون ما زالوا متخلفين عن ركب العصر ولا زالوا بدائيين في التعامل مع الأدوات التنظيمية فبعضهم لا يحسن استعمال الحواسيب، وإن استعملها أو راسل من خلالها لم يأخذ بأي احتياط أمني أو حذر؛ ثقة بها أو جهلًا برقابة أعداء الله لها، فإذا داهموا بيته وجدوا تفاصيل تنظيمه وأسماء إخوانه ومخططاتهم جاهزة فيه ..

وبعضهم لا زال يستعمل في هذه الأشياء الخطيرة الكتابة الصريحة المفصلة على الورق، واعرف من داهموا بيته عند اعتقاله فوجدوا على طاولة مكتبه التفاصيل الدقيقة والمملة لتنظيمه، بحيث لم يتمكن من إنكار شيء بعد اعتقاله، ومن شدة تهويل تلك التفاصيل والاعترافات، لم يجد أعداء الله أنسب منه كي يلصقوا به أعمالًا كانت قد قيدت ضد مجهول بلغ بعضها إلى القتل والاغتيال لا تمت إليه بصلة ..

طبعًا تلك المؤهلات العجيبة والغريبة التي صدّرت هؤلاء وأمثالهم للعمل التنظيمي هي التي أهدرت أموال المسلمين في مغامرات فاشلة، وضيعت أعمار شبابهم، وأزهقت أرواح مجاهديهم فيما لا طائل من ورائه للإسلام والمسلمين، فأقرت أعين المشركين وأحرّت أعين المسلمين ..

وتلك المهازل التي يفاخر بها أهلها ويسمونها جهادًا، لا يستحيي بعضهم معها من الطعن بالدعاة والعاملين لدين الله ممن لا يوافقونهم على تخليطهم، ولا يخجلون من رميهم بالقعود والتخلف عن الجهاد وتعييرهم بلزوم نهج الدعوة والتربية والإعداد الجاد ..

ولذلك فإن من صور تقزيم الجهاد وتحجيمه أيضًا كما أشرنا سابقًا؛ اختزاله في القتال النكائي وفصمه عن الدعوة ومخاصمته لأهلها وعزل جهود العلماء الربانيين والدعاة العاملين وإخراجها من الجهاد، الأمر الذي يدعو بعد ذلك إلى الاستخفاف بعلمهم والإعراض عن كتاباتهم وإهمال مناصحاتهم بدعوى أن أهل الثغور أفهم وأعلم، فيحجّرون بذلك ثغور الإسلام ويقزّمون أهلها فيمن لا يحسن إلا (الطخطخة) العشوائية بمعزل عن خطاب الجهاد الناطق وروحه النابض، ليتخبطوا بعد ذلك في الاختيارات كيف شاءوا وليهدروا أموال المسلمين وأرواح المجاهدين وأعمارهم في أعمال يجمع العقلاء على عدم جدواها أو فائدتها للإسلام والمسلمين .. ويُهمش بذلك علم وخبرة العلماء الربانيين الذين يقفون ويثبتون في وجه الطواغيت اليوم ولا يخضعون لإغراءاتهم أو يخنعون لتهديداتهم، ويتصدون لدحر شبهات أذنابهم من علماء السوء؛ فإن لم يكن هؤلاء من أهل الثغور فليس في الدنيا كلها إذًا أهل ثغور ..

ألم يكن الإمام أحمد في ثباته في محنة خلق القرآن في زمانه إمام أهل الثغور بلا منازع، يوم وقف على أعظم ثغور الإسلام وأبى أن يؤتى الإسلام من جهته، وما رمى بسهم مريّش قط في وجه الروم ولا غيرهم، وإنما كانت أسهم القرآن والإسلام كلها بيده يرمي بها في نحر أهل الزيغ والضلال، يدرأ بها شبهاتهم ويدفع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، فثبّت الله به أركان الملة، ورفع بذلك قدره وذكره، فصار إمام أهل السنة والجماعة بلا منازع ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت