وغالبًا ما يكون ذلك كله محاكاة وتقليدًا لبعض عمليات المجاهدين المحكمة تقليدًا أعمى من غير بصر ولا نظر، ودون أدنى خبرة أو دراية، أو تحرز من دماء المعصومين والأبرياء ..
ولو تأمل هؤلاء في عمليات المجاهدين التي يتحمسون لها ويحاولون محاكاتها، لوجدوا أن أكبر عمليات العصر قد قام بها أبطالها دون أن يطلقوا طلقة واحدة، بل نفذوها بكياستهم وفطنتهم وحسن تدبيرهم ورجاحة عقلهم بمشارط من ورق ..
فالمسألة ليست دومًا بالمتفجرات والعضلات؛ بل هي بحسن التدبير والإعداد والتفكير .. وقد قيل (نفاذ الرأي في الحرب أنفذ من الطعن والضرب) .
وأذكر أن مدربًا من المجاهدين وفي خاتمة دورة (للنسف والتخريب) وهو علم متفرع عن المتفجرات يبحث في الحسابات اللازمة لهدم وتدمير المباني والجسور ونحوها بأحجامها وخرساناتها ونوعية العبوات التي تحتاجها وكمية المتفجرات؛ سأل المتدربين عن مبنى ضخم، في قواعده من الحديد والخرسانة ونحوها كذا وكذا، ويتواجد العدو في الطابق كذا منه، فكانت أجوبة أكثرهم حسابيا صحيحة بتحديد نوعية العبوات وأماكن زرعها وكمياتها التي بلغت أطنانا لإسقاط المبنى وتدميره بالعدو؛ ومع ذلك كان المدرب يخطّئ كلًا منهم ويضرب على جوابه، وهم يتعجّبون، ولما سألوه عن الجواب الصحيح، قال: الجواب الصحيح أن يصعد المجاهد إلى الطابق الذي يتواجد فيه العدو ويجهز عليه بخنجر أو مسدس، لأنه لا يمكنه في بلاده وفي حرب المستضعفين من توفير هذه الكمية الهائلة من المتفجرات هذا أولًا، أما ثانيًا فلأنه يعمل في بلد وإن كانت دار كفر اصطلاحًا لأن الغلبة فيها لحكم الكفار؛ إلا أنّ جمهور أهلها ينتسبون للإسلام وتلك الكمية من المتفجرات تتجاوز حدود العدو المطلوب .. يريد هذا المدرب الفطن بهذه المسألة لفت أنظار المجاهد إلى واقعه وإلى ضرورة إعمال الفكر والنظر في حسابات أخرى أهم وأعمق من حساب كمية المتفجرات ونوعيتها .. فالمسألة ليست دومًا محجرة منحصرة بالمتفجرات بحيث لا يصلح الجهاد إلا بها .. ولا شك أن التعامل مع الجهاد بتلك السطحية ودون اعتبار لهذه الحسابات من تقزيم الجهاد وتحجيمه ..
ومن تقزيم الجهاد أيضًا أن يُصدّر للقيادة فيه أو يُسلّم قيادة العمل التنظيمي من لا يصلحون لذلك بحال، ولا يمتلكون أدنى درجات الخبرة التنظيمية أو حتى العمل الشرعي الذي لا يكفي وحده لمثل هذا العمل، ولا يعرفون ما يدور حواليهم في الواقع، وكيف يعرفون وقد رأيت بعض من أسندت إليهم إمارة تنظيمات مسلحة يُحرّم مشاهدة نشرات الأخبار ولا يتابعونها لا في صحافة ولا في مذياع، استؤمنوا على أرواح الشباب المجاهد دون أن تكون لهم أدنى معرفة بمبادئ العمل التنظيمي، واستؤمنوا على اموال المجاهدين التي بذلها المسلمون حبًا في الجهاد ونصرة للمجاهدين ودفعًا عن حياض الإسلام والمسلمين، مميزاتهم التي أهلتهم لتولي تلك المناصب وتصريف هذه الأموال وتوجيه أولئك الشباب بتخليطهم؛ شيئان الأول: أخذهم بالمذهب الأشدّ لا الأسدّ، ولذلك فلا يوجد عندهم في الدنيا كلها جهاد إلا جهادهم، ولا مجاهدون يتبعون للطائفة القائمة بأمر الله إلا هم .. أما الشيء الثاني: فهو عمى عيونهم عن عيوب من نصّبهم في تلكم المناصب، ودندنتهم له: بمع مع، ونعم نعم .. وعدم مخالفتهم أو معارضتهم لشيء من اختياراته أو تخليطاته، غضّ الطرف عن تطرّفهم وشذوذاتهم، ورأى فيهم بقية السلف، فغضوا الطرف عن تخليطه وضعف خبرته .. فياحسرة على شباب المسلمين وطاقاتهم يسلمون لأمثال هذه الزعامات تشتت جهدهم وجهودهم، ثم تسلمهم وتسلم أعمارهم إلى المعتقلات والسجون .. وياحسرة على أموال المجاهدين كيف توجه بتفريطهم ثم تصير في خاتمة المطاف غنيمة باردة في أيدي أعداء الله ..
ولذلك فإن من صور تقزيم وسائل الجهاد وآلياته أيضًا تعاطي البعض مع العمل التنظيمي المسلّح بدروشة وسطحية قاتلة دون خبرة سابقة ولا حس أمني أو غيره مما يحتاج إليه لمثل هذا النوع من الأعمال .. واعرف من كان يسابق مسابقة إلى خطف وتنظيم أي شاب يراه معنا أو في مجالسنا لمجرد أن رأوا فيه شيئًا من الحماس وحب هذه الدعوة، ويعرضون عليه منذ اللحظة الأولى المشاركة في تنظيمهم، وبالطبع يطلبون منهم بغباء وقد استلوه من مجالسنا، ويعلمون أنه أقرب إلينا؛ أن لا يطلعنا على عرضهم، ولذلك فإن من المضحك المبكي أن يرجع ليسألنا عن أولئك المنظمين وهل هم ثقات وهل