إذن فهذا القتال الذي يخاصم صاحبي وكثير من الشباب به دعوة التوحيد ويفاصمها حقيقته كما يقر أصحابه لا يعدو عن كونه قتال نكاية، ولا يؤملون منه تمكينًا لأهل الإسلام ودينهم .. ومثل هذا القتال موجود في أكثر أصقاع الدنيا اليوم، ولا مزيّة أو خصوصية للبقعة التي يتحمس لها صاحبي عن غيرها في هذا القتال بل على العكس فلقتال النكاية في بقاع أخرى كفلسطين مزية وخصوصية لأجل المسجد الأقصى وكأفغانستان لأجل شوكة الطالبان التي قد يؤمل رجوع تمكينها بها أو الشيشان حيث لامزاحم للمجاهدين هناك ولطبيعة البلدين الجغرافية فلذلك كله مزية وتقديم في حسابات من يعوّل على قتال النكاية ويؤمل منه بعض الثمرات المفيدة لأهل الإسلام من جهة التحرير أو التمكين ولو على المدى البعيد إن سلمت واستقامت تلك الثمرات للمجاهدين عند قطافها ..
أضف إلى هذا ضعف الخطاب المرافق لذلك القتال الذي يتحمس له صاحبنا وتهلهله، وقتال النكاية إن لم يرافقه خطاب ناضج واعٍ يبين عن الجهاد ويسمع أهدافه النظيفة للناس وينقل غاياته المشرقة للعالم وينقيه مما قد ينسب إليه أو يشوبه من التخليط والتشويه؛ وإلا فقد يستغله ويستثمره الأعداء ويصير وسيلة يشوهون بها الدين والدعوة ويحرضون بها على الإسلام والمسلمين ولذلك فإن بعض أنواع القتال أو الأعمال الجهادية التي لا تندرج قطعًا تحت قتال التمكين وربما لا تنكأ عدوًا أيضا؛ تقدم قطعًا عندي على هذا القتال الذي يتحمس له صاحبنا ويخاصم الدعوة لأجله إذا كان في تلك الأنواع ثمرات وآثارًا من جنس آثار التمكين كتخليص لبعض المستضعفين وفك للعناة وتحرير لأسارى المسلمين من قيد الأسر ومن تعذيب الكفار لهم وإذلالهم وقهرهم وتسلطهم، فهذه الثمرات التي هي من جنس آثار التمكين الذي يخرج العباد من سلطان الكفر إلى سلطان الإسلام؛ أعظم دون شك من النكاية المجردة في أعداء الله وأعظم من كثير من أعمال الحسبة التي يمارسها كثير من الشباب كتفجير خمارة هنا أو تدمير ملهى هناك ..
أما دعوة التوحيد المباركة التي تعمل وفق برنامج ناضج وتوجيه حكيم وعمل مثابر ودءوب فلها حساباتها الأخرى، ولاشك أنها تقدم على ذلك كله وترجح عليه لأنها جزء لا يتجزأ من جهاد التمكين الذي هو أمسّ ما يحتاج إليه المسلمون اليوم ليخرجوا به العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ولذلك فلا بد للمسلمين من تقديمه وجعله من أولوياتهم ولا بد لهم من توجيه جهودهم إليه وتركيز جهادهم عليه وحشد طاقاتهم من أجله ..
ولكن مع الأسف الشديد وفي ظل الحماس الأجوف المنتشر بين هؤلاء الفصاميين يُخرج كثير منهم الدعوة ويفصمونها عن مفهوم الجهاد ولا يفهم كثير منهم من الجهاد إلا (الطخطخة) المجردة التي لا ترتبط بدعوة أو برنامج أو منهاج .. وكم يؤلمني هذا، وأشد منه إيلامًا أن يوجد في مرجعيات هؤلاء الشباب ورؤوسهم وموجهيهم من يكرس ذلك ويؤكده في أفهامهم.
ولذلك قلت للمجموعة التي أنا موقوف معها الآن في هذه القضية الجديدة وقلت لأمثالهم في قضايا سابقة أيضا يوم شاوروني ببعض أعمال النكاية التي يزمعون القيام بها رغم قلة خبرتهم العسكرية وتهلهل أحوالهم الأمنية ..
فنصحت بعضهم أن يشتغلوا بدعوة التوحيد وحاولت بيان قلة جدوى بعض الأعمال التي ذكروها وعدم شرعية البعض الآخر ..
وقلت لمن كنت أعقد عليهم آمالًا في الدعوة إلى التوحيد: (لقد خيّبتم آمالي .. !!) لأني كنت أرى أن اشتغالهم في الدعوة بين عشائرهم وفي مناطقهم أنفع للدين ولدعوة التوحيد والجهاد أيضا عند من يفقه الجهاد بشموليته وأركانه واحتياجاته خصوصًا وأن فيهم إمام المسجد والخطيب والمعلم ويحسنون الدعوة أكثر من غيرها، ولكن للأسف فإن الشحنات الحماسية التي يحقن بها هؤلاء الشباب أنفسهم ويحقنهم بها كثير من أمثال صاحبنا الفصامي تطغى على الفهم الجيد والحكمة والنظر السديد أضف إلى هذا تأثر هؤلاء الشباب وأمثالهم بأخبار عمليات المجاهدين المتقنة هنا وهناك وسعيهم لمحاكاتها دون أن