فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 115

وأنا أقول: والله لا يستحيي منه إلا من كان في إيمانه دغل؛ ولكن سيرة نبينا وسياسته - إضافة إلى مراعاتها لواقع المرحلة وظروف المسلمين وإمكاناتهم - فرّقت في الخطاب الدعوي بين الأصول والقواعد المقررة التي يجب أن تتخذ خطابًا إعلاميا دعويًا عاما؛ وبين الفروع والاستثناءات أو الأحكام التي وردت أو شرعت لظروف مخصوصة وفي مراحل أو أحوال معينة أو هي من الخطاب الإسلامي الخاص ولا يصح أن يُشحن بها الخطاب العام .. ولا يفقه هذا ويتسع له صدره إلا من هداه الله ووفقه وعلّمه وبصّره ..

ويناسب أن أختم هذا بلطيفة وقعت لأحد إخواننا مع طبيب للأسنان في السجن، وهي ترمز إلى واقع أكبر لكثير من المجاهدين والدعاة اليوم في عدم مراعاة خطابهم للواقع والمرحلة والظرف ..

فقد كان ذلك الطبيب نصرانيًا وكان أخونا محتاجا للعلاج عنده إذ لا طبيب غيره، وجرى حوار بينهما عما تقوم به القاعدة ومجاهدوها من أعمال هنا وهناك .. فكان فيما ردّ عليه الأخ أن قال له: أصلًا أنت لو وجدت الدولة الإسلامية فليس لك إلا الجزية أو السيف .. !! وذكر ذلك بطريقة عصبية استفزازية ..

أقول: هذا الخطاب الاستعلائي الذي واجه به صاحبنا ذلك الدكتور النصراني المعالج له!! يناسب قائدًا من قادة المسلمين كعبادة بن الصامت أو المغيرة بن شعبة أو قتيبة بن مسلم يتقدم جيشه الجرار ليخاطب به طاغية معاندًا متعجرفًا كعظيم الروم أو الفرس أو ملك مصر أو الصين؛ يواجهه به بين يدي الجلاد والقتال وضرب الرقاب وقطع الأوصال .. ولا يناسب أبدًا أو يراعي الظرف والمرحلة والحال التي يسلم فيها صاحبنا فكّه ورأسه لمبضع ذلك الدكتور النصراني ليعالج له ضرسه!!.

أيُضير صاحبنا شيء شرعًا أو يُعد مداهنا أو متنازلًا عن بعض الأصول أو مميّعًا لشيء من الثوابت لو أنه خاطب ذلك النصراني المعالج له والذي ليس بيننا وبينه في هذا الظرف إلا الدعوة؛ أقول: أكان يضيره شيئًا أن يخاطبه بخطاب التأليف والترغيب والتبشير والتيسير الذي هو من ديننا ونحن مأمورون به أصلا مع من لم يحاربنا في الدين، ويتأكد ذلك كما تقدم حال استضعافنا .. ؟ ..

فيقول له مثلا: إن النصراني في ظل دولة الإسلام لا يُجبر ولا يكره على تغيير دينه، وإذا احترم ديننا ولم يطعن فيه ورضي بأن يكون مواطنًا للدولة بأن يدفع الجزية كانت له ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وصارت له من الحقوق والأمن والأمان على نفسه وماله وعرضه ودينه ما لا يجده اليوم في أشد الدول تعصّبًا للنصرانية ..

ثم يبيّن له أن حقيقة الجزية أنها مبلغ زهيد لا يذكر في مقابل ما يأخذه طواغيت اليوم من مكوس وضرائب ومظالم في شتى مناحي الحياة، وهو أيضًا مبلغ لا قيمة له مقارنة مع ما يُعطى لصاحبه من استحقاقات ومواطنة وحماية في ظل دولة الإسلام، ويعفيه من زكاة المال التي تجب على المسلمين، كما يعفيه من المشاركة في الدفاع عن الوطن فلا تجنيد عليه ولا عسكرية أو جهاد بل يجب على الدولة حمايته وحماية ماله وذريته ما دام مواطنًا فيها، ومَنْ آذاه فقد خفر ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام الذمي محترمًا لقوانين الدولة المسلمة غير محارب للمسلمين ولا مظاهر لعدوهم أو طاعن في دينهم، وأن هذه الجزية كثيرًا ما كانت ترد إلى النصارى أيام الخلافة عندما كانت الدولة تعجز عن حمايتهم في بعض أقطارها وكان كثير من الخلفاء يُسقطونها عمّن كبر وشاخ من أهل الذمة، وأن كثيرًا من النصارى كانوا يقاتلون إلى جنب المسلمين طوعًا واختيارًا ضد الروم والصليبيين من أبناء ملتهم لما عايشوه ورأوه من عدالة الإسلام، وما يعرفونه من ظلم أقوامهم الذين يأخذون منهم أضعافًا مضاعفة لتلك الجزية مكوسًا وضرائب ومظالم .. إلى آخر ذلك من الخطاب الإسلامي الدعوي الأصيل، والذي هو حق لا مرية فيه في ديننا وليس فيه أدنى تحريف للأصول ولا تمييع للثوابت ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت