وإذا كان دينهم القائم على التقية يجيز لهم هذا النفاق والتلون والخداع كتلون وخداع الحرباء؛ فنحن لا نطالب مجاهدينا بالتقية أو التلون، بل نطالبهم بمراعاة إمكاناتهم وحجمهم وحاجات أمتهم وتقديم الأولويات في خطابهم الإعلامي وفي اختياراتهم العملية، وأن يفعّلوا فقه النبي صلى الله عليه وسلم الذي يفهم مما تقدم في قوله: (إذًا تُرْعَد له آنُفٌ كثيرة بيثرب) وقوله: (دعهم لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) فهذه الطائفة وأمثالها شاء المجاهدون أم أبوا محسوبة إعلاميا وعالميا على الإسلام كما كان المنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم محسوبون على الإسلام، ولم تقتلعها الخلافة حتى يتمكن أولئك المجاهدون من استئصالها ببعض عمليات النكاية، فهي واقع يجب التعامل معه بالسياسة الشرعية والحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا .. فالأصل أن يكون خطاب المجاهدين الإعلامي متجنبًا الدعوة للصدام مع هذه الطوائف وإن احتيج لمثل ذلك طرح على سبيل دفع الصائل الذي يجوز حتى مع المسلمين ولا يطرح على أنه استراتيجية أو نهج يحرَّض عليه المسلمون؛ فيحسب عند المراقبين ويستغل عند الأعداء على أنه فتنة ودعوة من أصحابه إلى الحرب الأهلية في الوقت الذي يعلن فيه المعتدون الحقيقيون من أهل تلك الطائفة رفضهم للفتنة والحرب الأهلية ويدندنون في إعلامهم على أخوّتهم لأهل السنة ونبذهم للفرقة كذبًا وزورًا ..
والمقصود أنه لا ينبغي أن يتخذ دفع الصائل الذي هو استثناء يجوز حتى مع المسلمين؛ اختيارًا أصليا وخطابا عامًا يُعلن للأمة ويحرض عليه المجاهدون عموما وعلنا ..
بل يمكن ممارسة ذلك بدفع عدوان مثل هذه الطوائف ورد أذاها بل واغتيال رؤوس الكفر والتحريض والاعتداء والفتنة منهم إن لزم الأمر دون أن يتخذ ذلك خطابًا عاما وإعلانا لا يفرق بين المعتدي منهم وغيره ولا بين الرؤوس الضلال والعوام المضللين .. فخطاب الجهاد العام والأصيل والذي يتفق عليه عوام المسلمين وخواصهم لا يصح أن يذوب في فروعه أو يضيع بالانشغال في استثناءاته أو في اختيارات أخرى مرجوحة ..
تمامًا كما أنه لا يعقل أن يصطبغ مثلًا خطاب المجاهدين الإعلامي العام بالدندنة حول جواز قتل النساء والصبيان في البيات، وهو خطاب خاص استثنائي فرعي خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم خواص المجاهدين ليرفع عنه الحرج في الجهاد؛ فلا يصح ولا يعقل أن يتخذ هذا الخطاب الخاص ويُحوّل إلى خطاب إعلامي عام، فيطنطن على سبيل المثال حول جواز قتل النساء والذرية وتخاطب به الصحافة العالمية ويدندن حوله في الفضائيات والبيانات والإعلانات التي يخاطب بها العالم، بل يخاطب الناس بالخطاب الإسلامي العام الذي هو الأصل في الجهاد الإسلامي من النهي عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والزمنى والرهبان ونحوهم ممن لا يقاتلون ولا يعينون على قتال ..
ولا يصح بحال ولا يعقل أن يُهمل الأصل ويخاطب الناس بالاستثناء ..
ومثل ذلك ما تقدم من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه، فقد كان إظهارًا وإعلانًا لمحاسن ديننا الأصيلة التي تنسجم مع الفطر ويجمع عليها جميع العقلاء ومن ذلك الصدق الذي ذكره أبو سفيان ونقله لهرقل؛ لا يعقل أن يُترك هذا الخطاب الأصيل في ديننا الذي يحث على الصدق ويحرم الكذب؛ ويستبدل بخطاب إعلامي عام يدندن على جواز الكذب في الحرب مثلا، ويجعل ذلك صبغة للخطاب الإسلامي أو يُساء استعماله ويتمادى به ويفتح على مصراعيه لغير حاجة حتى يوصم الدعاة بالكذب مع أن نبيهم صلى الله عليه وسلم كان يعرف عند أعدائه بالصادق الأمين!! فيتحول الفرع والاستثناء الذي خوطب به خواص المجاهدين لرفع الحرج عنهم في الحرب؛ ويصير أو يتخذ خطابًا عاما للناس والمدعوين ..
صغار العقول والسطحيون يقولون: يا أخي هذا من ديننا ولا نستحيي أو نخجل منه، ولذلك فلا مانع عندهم ولا حرج من صبغ خطابهم العام به.