ففي الوقت الذي كان القتال فيه محتدمًا بين فئات الشعب العراقي المختلفة وفي مدنه المتفرقة، والذي كانت تخرج علينا فيه طوائف الضلال التي فعلت ولا زالت تفعل بأهل السنة الأفاعيل، ليعلن رؤوسها ومرجعياتها وقادتها بل وعوامها على شاشات التلفزة أنهم يقفون إلى جنب أهالي الفلوجة - مع أنهم لم يقفوا ولن يقفوا - وأن مصاب الفلوجة مصابهم والدم النازف فيها دمهم ..
خرج علينا بعض المجاهدين الذين لا نشك في إخلاصهم وولائهم للدين، ولكن بنضوج خطابهم وخبراتهم وحسن اختيارهم وتوقيتهم؛ ليعلنوا للدنيا كلها بخطاب ساذج لا يراعي ظروف المجاهدين ولا إمكاناتهم ولا واقع البلد وطبيعة المرحلة يدعون فيه إلى إشعال الحرب على تلك الطوائف ويعلنون استهدافها وسعيهم لقتل رؤوسها ومرجعياتها بل وتبنيهم قتل من قتل منهم سابقا مع أن ذلك كان قد ألصق بلسان الطائفة والإعلام بالأمريكان، وصاحبنا بدلًا من أن يُصدّق ذلك ويؤكده توجيها للصراع إلى الأمريكان يُبرّئ ساحتهم ويتحمل هو ويُحمل المجاهدين ومن ثم أهل السنة تبعات دمه ودماء العشرات الذين قتلوا معه ..
ليفتح المجال بذلك أمام أعداء الله من الصليبيين وغيرهم لاستغلال هذا الخطاب، وجعل صاحبه مشجبًا للحرب الأهلية التي يحضّرون لها، كما قد حاولوا من قبل جعله رابطًا بين القاعدة وصدام، ويحرصون على أن يصبغوه بالصبغة الإرهابية المستهدفة لعوام الشعب العراقي بل ولعوام الشعب في بلده من خلال استغلال بعض العمليات المحبطة التي ينسبها له أحيانًا بعض الشباب في اعترافاتهم أو ينسبها النظام له تلفيقا وتزويرًا وبتشويه كبير في أحيان أخرى، وكم أتمنى أن ينضج خطابه ويوفق في اختياراته ليضيّع عليهم الفرصة ويمسي رمزًا من رموز الجهاد وبطلًا من أبطال مقاومة الاحتلال الصليبي يلتف حوله عموم المجاهدين بل وعموم أهل السنة هناك ..
ولكن ذلك لا يكفي له الإخلاص والورع ولا الجرأة والشجاعة وحسب، فهذا قد يكفي للقادة الميدانيين وما أكثرهم أما القائد العام والرمز الذي يحرك الناس ويقود الجماهير والأمة بأمس الحاجة إليه اليوم فتلزمه خصال وصفات أخرى في مقدمتها نضوج الخطاب الإعلامي وحسن الاختيار ومعرفة الواقع لمراعاة ظروفه ومعطياته في كل خطوة واختيار، ويلزمه فهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف كان يخاطب كل أناس خطابًا يوائم خلفيتهم ويراعي ظروف المرحلة وإمكانات المسلمين وأهم احتياجاتهم وأولوياتهم دون مس بالثوابت والأركان كما قدّمنا ..
ولا يخرج ذلك الخطاب من السذاجة والسطحية أو يُبرّرهُ كون تلك الطوائف فعلت في أهل السنة الأفاعيل من خطف للنساء وقتل للعلماء واحتلال للمساجد ونحوه؛ فهم لخبثهم يفعلون ذلك وأكثر منه كما بلغنا عن الثقات ولكن بدهاء يمنعهم من أن يعلنوا عنه - لا كما يفعل صاحبنا - بل على العكس فهم يفعلون هذه الأفاعيل في مختلف مناطق العراق ويفعلون أشياء منها في إيران كما فعلوا مثلها من قبل في أفغانستان على أيدي حزب الوحدة الذي كان يتحالف مع جميع أعداء أهل السنة ولو كانوا من الشيوعيين، وكما فعلت منظمة أمل في لبنان في تل الزعتر وغيره .. وهكذا هم كلما سنحت لهم فرصة في التنكيل بأهل السنة لا يضيّعوها، أعرف هذا ولا يخفى عليّ، ولكن الحاصل اليوم لأهل السنة في العراق على أيديهم لا يتبنونه ولا يعلنون عنه أو يتخذون منه خطابا؛ بل على العكس فإن الصبغة المعلنة والظاهرة لخطابهم السياسي أن لا فرق بين السنة والشيعة وأن السنة إخوانهم ويعلنون هم وأعوانهم في إيران ولبنان عن وقوفهم إلى جنب أهل السنة واستنكارهم لما يحصل لهم في الفلوجة وفي فلسطين وغيرها ولا يثيرون في إعلامهم الخارجي قضية السنة والشيعة بل يحاولون في خطابهم المعلن - خلافًا للحقائق على أرض الواقع - تذويب هذه الفروق، وجعل طائفتهم مذهبًا خامسًا مضافًا إلى المذاهب الأربعة لأهل السنة لا طابورًا خامسًا متآمرًا عليهم منذ زمن هولاكو إلى اليوم، وهذا الخطاب لا تسمعه بالطبع في أماكن نفوذهم وتسلطهم على أهل السنة، لكنهم لا يعلنون عن أفاعيلهم كما يفعل السذج من أهل السنة، ولذلك ترى الأغرار من الناس اليوم يتهمون أهل السنة بالفتنة والتفرقة والسطحية، بينما يصفون تلك الطوائف بالاعتدال والنضوج الفكري والحرص على الوحدة، حتى إنهم لأجل ذلك ولتكريسه في أذهان الجهال لا يبثون عبر فضائيتهم أذانهم المخالف لأذان أهل السنة بألفاظه وأوقاته .. !!