أقول: ألا ترى معي الفرق الشاسع والبون الواسع بين هذا الخطاب الذي يعرض الجزية بهذه الصورة المشرقة دون تنازل عن الثوابت فهو خطاب لا يجعل النصراني أخًا حبيبًا بل مواطنًا آمنًا له حقوقه المحفوظة والمكفولة .. وبين ذلك الخطاب الاستعلائي الذي يظهر الجزية كمسبّة، وربما عدّه ذلك النصراني صادرًا عن الكبت السجوني كعادة أعداء الله في دعواهم أن خطاب الشدة والعنف من الإفرازات السجونية .. إذ هو خطاب يظهر الجزية لا كرسم مواطنة بل كضريبة استرقاق وإهانة وإذلال.
الشيء الذي لا يتناسب مع واقع استضعاف أخينا ولا يلائم خطاب التبشير والدعوة إلى الدين الذي لا يملك في ظل القيد غيره ..
على كل حال فلا زال أخونا إلى ساعة كتابة هذه السطور يدفع جزية أو ضريبة ذلك الخطاب الاستعلائي الذي جاء في غير محله ولا زال إلى اليوم يسعى في إصلاح ذلك الضرس الذي أتلفه ذلك النصراني على إثر ذلك الخطاب!! وقد قرأت عليه هذا واستفاد منه وأقره ليستفيد منه غيره والخلاصة .. أننا اليوم بحاجة إلى خطاب إسلامي ناضج واعٍ يهتم برفعة الدعوة والجهاد ويراعي حال المسلمين وأهم ما يحتاجونه ويقدم الأولويات ويرجح أعظم المصالح فيقدمها وأعظم المفاسد فيدرأها، خطاب لا يكون صاحبه بمعزل عن واقع الأمة وظروفها وإمكاناتها عموما وإمكانات المجاهدين خصوصًا .. ويعرف كيف يخاطب الأعداء كل بحسب حاله من خلال تبصّره بواقعهم وخلفياتهم الأخلاقية والسياسية والتاريخية والعقائدية وطبيعة شعوبهم ونقاط الضعف عندهم ومواضع الحساسية والتأثير؛ ليتوائم خطابه ويتلائم مع ما يحقق مصالح المسلمين ويكبت عدوّهم أو يضعضعه ويشتت شمله ..
فلا يميل إلى خطاب أهل التفريط والتمييع الذين حطموا الأصول وتنازلوا عن الثوابت وهدموا الأركان بل وتبرّؤوا من الشرائع بحجة الاعتدال في الخطاب وإرضاء الأعداء أو عدم إسخاطهم، وحقيقة ذلك انسحاق تحت بساطير إرهابهم الفكري واندحار أمام عولمتهم وثقافتهم الفاسدة ..
ولا إلى أهل الإفراط في عدم مراعاتهم لأولويات الجهاد وسمعته المشرقة ومصالح الأمة وظروفها وإمكانات المجاهدين ومعطيات الواقع والمرحلة، وخلفيات الأعداء وأحوال شعوبهم ..
والله الهادي إلى سواء السبيل