وهذا كله من مراعاة حال الفئة المؤمنة أو الدولة المسلمة وإمكاناتها وقوتها ..
ولذلك فخطاب الفئة أو الدولة المسلمة حال ضعفها للأعداء الداخليين والخارجيين ليس هو كخطابها بعد زوال ضعفها وليس هو كخطابها بعد قوتها، وهذه القوة أيضا يختلف الخطاب والنهج فيها بحسب وزنها فخطاب الدولة المسلمة واختياراتها في زماننا قبل أن تمتلك السلاح النووي الرادع مثلا ليس كخطابها واختياراتها بعد أن تمتلكه .. وهكذا ..
كل ذلك كما قدمنا دون مس بالثوابت أو تمييع للعرى الوثقى ..
فالإحسان والمداراة التي هي من أخلاق المؤمنين وهي كما هو معلوم غير المداهنة، وكذا العفو والصفح والإعراض عن أذى المشركين وعدم بداءتهم بالقتال كل ذلك جائز حال ضعف المسلمين أو إذا اقتضته مصلحة الجماعة أو الدولة ولا يناقض أو يعارض ثوابت التوحيد والولاء والبراء ونحوها من العرى الوثقى ..
ولأهمية هذا الأمر وكثرة النصوص فيه أخرج بعض العلماء التدرّج فيه من المنسوخ وعدّوه من المنسأ الذي يجوز للمسلم أن يختار منه ما يناسب حاله وقوته وضعفه وظرفه ..
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( .. وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) أهـ. الصارم المسلول.
ومن مراعاته صلى الله عليه وسلم لسمعة الدعوة حرصه على نقاوة الجهاد وطهارته من كل شائبة أنه كان يعلن براءته من الأخطاء الصريحة الواضحة التي صدرت من بعض أصحابه دون أدنى حرج من ذلك، فإن في ذلك تعظيم وتقديم لسمعة الجهاد والدعوة ومصلحتها على كل اعتبار آخر , وذلك كقوله لما قتل خالد رضي الله عنه بعض من اعتصموا بالسجود وقالوا صبئنا ولم يحسنوا أن يقولوا آمنا ,قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) وتنبه أنه برئ من صنعه وخطأه ولم يبرأ منه هو، ومن جنس ذلك إنكاره على أسامة لما قتل الرجل الذي أقر بشهادة التوحيد فقال له: (أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟) أو كيف تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟).
أو نحو ذلك، وجعل يرددها حتى تمنى أسامة رضي الله عنه أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم لما رأى من عظم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ...
ومن جنس ذلك أيضًا قصة قتل ابن الحضرمي في أول الشهر الحرام وتعيير الكفار للمؤمنين بذلك حيث لم يتضرر المؤمنون بهذا التعيير ولا جادلوا- حاشاهم- في ذلك بالباطل كرد فعل لتعيير الكفار لهم به، بل علمهم الله تعالى أن يقروا بالحق دومًا في خطابهم ويبرءوا من الخطأ ولو على أنفسهم حرصًا على سمعة الجهاد ونقاوته وتقديمًا لمصلحته على