ومن جنس ذلك قوله تعالى لموسى وهارون في شأن الطاغية فرعون في أول خطابٍ لهما معه: {فقولا له قولا لينًا لعلّه يتذكر أو يخشى} .. فلما عاند الآيات الواضحات وجحدها واستكبر عنها .. قال له موسى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا} .
فتأمل طبيعة خطابهم معه ابتداء وطبيعة الخطاب معه بعد عناده ..
وخذ على سبيل المثال مراعاته إمكانات الدعوة والطائفة المؤمنة وطبيعة المرحلة والواقع في موضوع التدرج في تشريع الجهاد .. حيث كان الأمر أولًا بالكف والعفو والصفح والإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم ..
ثم لما هاجر المؤمنون ووجدوا المأوى والنصرة وكانوا في أوائل عهد دولتهم أذن لهم بالقتال لدفع أذى المشركين ولم يوجب عليهم القتال إيجابا ..
وفي هذه الفترة كان صلى الله عليه وسلم يترك قتل من قد يترتب على قتله مفسدة على المسلمين فكان يسمع أذى المنافقين ويبلغه أذاهم ويطلب منه أصحابه قتلهم فيقول: (دعهم لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) وتارة يقول: (إذًا تُرْعَد له آنُفٌ كثيرة بيثرب) .
وعاهد اليهود ووادعهم وأقرهم على أحلافهم التي كانوا عليها حتى إنه صلى الله عليه وسلم عاهدهم على أن يعينوه إذا حارب .. وكانوا بعد ذلك يؤذونه ويقولون راعنا وهو سب قبيح عندهم من الرعونة، ويقولون (اسمع غير مُسْمَع) ونحوه مما كان يصبر عليه صلى الله عليه وسلم وكانوا يُسلّمون عليه بالسام عليك، فيقول (وعليكم) ولا يزيد على ذلك ولا يتعرض لهم ويترك قتلهم لأذاه ونهى أصحابه عن قتلهم لما استأمره بعضهم في ذلك، بل كان خطابه معهم رفيقا ونهى عائشة رضي الله عنها عن سبّهم مقابلة لذلك وقال لها: (الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه) وكل ذلك لا شك من مراعاته للمرحلة التي كانت دولة المسلمين فيها ناشئة وتمكينهم في أوّله ..
ثم كان الأمر بعد ذلك برد الاعتداء بمثله وقتال من أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم.
ثم أعز الله المسلمين ببدر وكان ذلك بداية عزتهم، حيث أذل ذلك رقاب أكثر الكفار الذين بالمدينة وأرهب سائر الكفار .. فقام صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة ببعض أعمال النكاية في بعض اليهود الذين لم يكن في قتلهم مفسدة على أهل الإسلام ودارهم، فقتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود وأمثاله ولكنه لم يتوسع في ذلك بل اكتفى بقتل من كان يؤذيه ممن لا يحصل في قتله مفسدة، إلى أن استتب له الأمر أكثر في المدينة فأجلى من أجلاه منهم وقتل من قتله، كل ذلك فعله بعد غدرهم أو نقض عهودهم ليكون فعله جامعًا لأهل المدينة ومن فيهم من حدثاء الإسلام ممن كانت بينهم وبين اليهود تحالفات ومصالح، ولو فعله قبل ذلك ودون أن تبدر منهم بادرة لأرعدت لهم آنفٌ كثيرة، ولكنه الفقه والسياسة الشرعية الحكيمة التي من حرمها تخبّط وأضاع مصالح المسلمين وضيّع من استرعاه الله أمرهم ..
ثم لما حصل له الإثخان في الأرض أمر بقتال المشركين كافة وقتال اليهود والنصارى حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون .. وأمر بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم ..