فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 115

وهذا النوع من الخطاب أعني إظهار الأنبياء حرصهم على هداية أقوامهم وإظهارهم خوفهم عليهم من العذاب الأليم مقرّر في دعوة الأنبياء ومن ذلك قول نوح لقومه: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} .

فأي حرج بعد هذا في مثل هذا الخطاب الذي يُظهر حرص الداعية أو المجاهد على هداية الناس أو حب الخير لهم أو نصرة المستضعفين وتخليصهم من تسلّط وإضلال الطغاة والظلمة لهم أو الحرص على نشر الأمن والعدل والإحسان ومحاربة الظلم والفساد والطغيان، والله لا يتحرج من هذا وينكره إلا أصحاب العقول الضعيفة الجاهلون بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوة سائر الأنبياء ..

فديننا جاء لهداية الناس أجمعين ولإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد .. ورسولنا بعث رحمة للعالمين ..

وليس في هذا الخطاب تحريف للأصول أو تمييع للثوابت أو مداهنة للكفار أو ركون، بل هو حق مشرق وثابت من ثوابت ديننا يجب على الداعية بيانه وإظهاره وإبرازه للناس كافة، ولا مانع من التركيز عليه وتعمد الدندنة حوله مع من يحب مثل هذه المحاسن أو يعظمها من الكفار ..

ومن جنس هذا ما رواه البخاري في قصة الحديبية لما جاءه من طرف قريش رجلٌ من بني كنانة فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال صلى الله عليه وسلم: (هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له) فبعثت له، واستقبله الناس يُلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يُصدوا عن البيت) ..

فتأمل معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرّسه بأحوال الناس عمومًا في زمانه، ومن جنس ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان يمانٍ والكفر قبل المشرق والسكينة في أهل الغنم، والفخر والرياء، وفي رواية والخيلاء في الفدادين أهل الخيل والوبر) ، ليُعرّف أصحابه بأحوال الناس وخلفيات من يتعاملون معهم، ولذلك لما أمر حسّان بهجاء قريش أمره أن يأتي أولا أبا بكر ليحدثه عنهم وعن أيامهم وأخبارهم .. ولما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب) فعرّفه أولًا بخلفيتهم العقائدية أو الثقافية سمها ما شئت، ثم دله كيف يتعامل معهم والأولويات التي يخاطبهم بها وبماذا يبدأ بدعوتهم، تأمل هذا كله وسجّله في فوائدك ثم تأمل خطابه وتعامله مع الناس على قدر عقولهم ومراعاته لما يعظمونه وإظهاره لهم وإبرازه وإعلانه ما دام من ديننا .. وإياك أن يضيق عقلك عن استيعابه أو تعدّه تلوّنًا أو مداهنة أو نحوه من جهل الجاهلين ففي البخاري عن علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذّب الله ورسوله) .

ومن مراعاته صلى الله عليه وسلم للمخاطب من جهة كونه معاندًا محاربًا أو مهادنًا غير محارب ولا معاند .. تطبيقه الحكيم وعمله في سيرته بقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} .

وقوله سبحانه: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم .. } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت