واليوم نرى كثيرًا من الشباب الفقراء من العلم الشرعي يتركون أهل الأوثان ويقاتلون أهل الإسلام شعروا أو من حيث لا يشعرون إذ يرغبون عن قتال أعداء الله المحاربين لأن في قتالهم كره وآذى ومخاطر ودماء، ويتخيرون أهدافًا سهلة، لا أقول أن أكثرها من عوام مجتمعاتنا الذين قد يتلطخون ببعض المكفرات المحتملة غير الصريحة ولا الظاهرة وحسب، بل أكثرها من فسّاق المسلمين يغيرون على محالهم وحوانيتهم وبيوتهم ليغنموا أموالهم ويستحلوها لأدنى شبهة ويكفرونهم لأدنى سقطة دون مراعاة لواقع الإستضعاف ودون نظر في موانع وشروط التكفير هذا على فرض أن سقطاتهم تمت إلى المكفرات بصلة فكيف وقد رأينا من يستحل أموال النساء لتبرجهن أو لشبهة تحوم حول سلوكهن، ومنهم من يختبر سائق سيارة أجرة بأن يوجهه إلى محل بيع للخمور فإن توجه استحل سلب ماله .. ومنهم من يخون الأمانة ويجحد الدّين أو يتهرب من سداده إستحلالًا لمال من يخالفه بعدم تكفير فلانًا من الطواغيت أو فلانًا من علماء السلاطين!!
وأخيرًا؛ بلغني عن بعض المتهوّرين الغلاة في ظل الفوضى العارمة اليوم في العراق تحت ظل الإحتلال الأمريكي؛ أنهم تركوا قتال الصليبيين الأمريكان وتحولوا إلى الإغارة على عوام الشعب العراقي بدعوى لا أسخف منها؛ حيث زعموا أن تركيبة الشعب العراقي تتوزع ما بين 60% رافضة وهم يكفرونهم دون تفريق بين رؤوس وعوام و20% ما بين صابئة وآشوريين ويزيديين من عبدة الشيطان و20% ما بين نصارى وبعثيين .. أو شيئا قريبا من هذا التقسيم السطحي العبثى الذي إضافة إلى اعتماده على دعاوى وإحصائيات الرافضة الكاذبة المضخمة لهم؛ فإنه إحصاءٌ ظالم للمسلمين السنة إذ لم يبقى لهم وجود ..
وهو قبل ذلك إحصاء وتقسيم متبع لشهوات النفس التي تقدمت الإشارة إليها ليسوغ به أصحابه الإغارة على كل بيت من بيوت العراقيين ممن لا شوكة لهم لتحصيل مغانم ومكاسب سهلة .. وهو تقسيم لا أظنه صادر إلا عن اللصوص وقطاع الطرق الذين انتشروا في العراق ببركات الغزو الأمريكي لأراضيه ..
فليتق الله المنتسبون لهذا الدين أن يصير هدف جهادهم أو قتالهم مجرد جباية الأموال دون التفات إلى كونها من حلال أو حرام .. وليعلموا أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولو كانوا عصاة فجارًا؛ معصومة بعصمة الإسلام لا يجوز استحلالها، وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة) فقال رجل: وإن كان شيئا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: وإن قضيبًا من أراك).
وفي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن رجالا يتخوّضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة) .
وقال في خطبته في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) [متفق عليه] .
والعالم بأصول هذا الدين الفقيه بقواعده يعلم أن مبناه في الدماء والفروج والأموال على الاحتياط، حتى أنه درأ الحدود بالشبهات، وجعل شبهة الأمان أمانًا، ومنع من زال اليقين الثابت سواء كان إسلامًا أم عصمة أم ذمة أم أمانًا؛ بالشك أو التخرص .. ومنع من التكفير بالمحتملات والظنون أو بلازم القول ومآله .. وغير ذلك مما أقامه لصيانة الدماء والأموال ..
وأيضا فالجهاد إذا أراد له أهله أن يكون كما يحب الله ويرضى فيجب أن تقدم فيه مصلحة الإسلام ويجرد من أهواء النفوس وتراعى فيه السياسة الشرعية والحرص على سمعة الجهاد فلا تطرح مسائله فقط على ضوء الحلال والحرام والمسلم والكافر والمعاهد والحربي بمفهومه الإصطلاحي أي غير المعاهد ولا المستأمن ولو لم يكن من المقاتلين .. بل يجب على من كان حريصًا على الجهاد ومصلحته خصوصًا قبل الإثخان في الأرض أن ينظر في ثمرات العمل