فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 115

قال تعالى عن المؤمنين في أول معركة خاضوها: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) هكذا أخبرنا الله عن خفايا نفوسنا وما تميل إليه وتوده من المغنم السهل الخالي من العناء والأذى والمخاطر وما تكرهه من القتال والمغامرة بالأرواح، ولأن الله سبحانه أعلم منا بما ينفعنا وينفع ديننا (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ؛ فقد وجّهنا سبحانه واختار لنا ما يحبه لنا ولديننا وما يريده شرعًا منا مما فيه إعزاز دينه وأوليائه وكبت الشرك وإذلال أهله ..

فقال عزوجل: (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) .

والخلاصة .. أن الله يريد لجنده المجاهدين أن يتخيروا من الجهاد ..

-الأنفع للمسلمين والأنقى لدينهم ودعوتهم الذي يرفع راية الحق نقية واضحة من غير لبس، إذ أن من أهم غايات الجهاد وثمراته إحقاق الحق والتمكين لأهله (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته)

-والأنكى في الشرك والمشركين الذي يقطع دابرهم ويبطل باطلهم ويستأصل شركهم ..

وجعل في ذلك أيضًا الخير والمغنم الذي تحبه النفس (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) [رواه البخاري] .

فلا داعي إذن أن يتتبع المجاهدون شيئًا من الأهداف المشبوهة سعيا وراء المغنم، فإنهم سيجدون في خضم هذا الذي أحبه الله واختاره لهم مغانم كثيرة (فعند الله مغانم كثيرة) ، وقال تعالى: (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) ..

وهكذا فباتباع المجاهدين لأمر الله وما يحبه سبحانه لهم ويختاره يجمعون بين نصرة دين الله وإحقاقه وبين قطع دابر المشركين وإبطال باطلهم، ويشفي الله صدورهم بإباحة أموال أخبث وألد أعدائهم لهم ..

وقد جمع الله ذلك للمؤمنين الأوائل وجعله من ثمرات جهادهم لما أحبوا ما أحبه واختاروا ما اختاره لهم، فقال: (فريقًا تقتلون وتأسرون فريقًا * وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) .

فلا ينبغي للمجاهد أن يستبدل الذي هو أدنى من الأهداف التي تميل إليها أهواء النفس - وإن كانت مشروعة في كثير من الأحيان - بما يحبه الله ويرتضيه لأهل هذا الجهاد ودينهم مما فيه إِحقاق للحق وإبطال للباطل وقطع لدابر الكافرين .. أقول هذا على ضوء آيات الأنفال المتقدمة مع أن المفاضلة فيها بين ما يريده الله من القتال الأنكى والأقطع لأعداء الله المبطل لباطلهم وبين ما ودّه المؤمنون آن ذاك وكان أمرًا مشروعًا غير مستنكر لا من أهل الإسلام ولا من غيرهم وهو غنيمة أموال كفارٍ حربيين أخرجوا المسلمين من ديارهم وِأموالهم وآذوهم وعذبوهم؛ فكيف إذا ترك المقاتل الجهاد الأنقى والأنفع لدين الله والأنكى والأقطع لأعداء الله، وذهب يتتبع لا أهدافًا سهلة مشروعة، بل سهلة مشتبهة أو معصومة محرمة في كثير من الأحيان؛ لا شك أن هذا يدخل تحت وعيد وتهديد آية النساء المتقدمة (إن الله كان بما تعملون خبيرًا) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت