فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 115

بل إن التضحيات التي تبذل في قتال النكاية لا ينبغي أن تعادل بتلك التي تبذل في سبيل تحقيق التمكين ..

فأنا أستوعب أن يترك الدعاة دعوتهم ومشاريعهم التربوية والدعوية والعلمية والدراسية في بلادهم ويفرغوا الساحة من الدعاة وطلبة العلم ويتوجهوا ليرجحوا كفة القتال في بلد تعقد الآمال فيه على التمكين أو التحرير ..

أما أن يتركوا دعوتهم أو يُعيَّروا بلزومها، وتستنفر الطاقات وتفرغ الساحات من العاملين وأنصار الدين لأجل قتال لا يخرج عن كونه من قتال النكاية فليس هذا من فقه ميزان المصالح والمفاسد الشرعي ..

فقد قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) ، أي: أصلح.

وقال سبحانه: (اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) فهذا أمر لعباده أن يتبعوا أصلح الأعمال وأحسنها نفعًا لدينهم ودنياهم .. (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) .

وكذا لا يصح أن يُهيّج الشباب لترك دعوتهم ويُعيّروا بلزومها ويستنفروا ويزج بهم في معارك خاسرة بدعوى مؤازرة بعض من لا صبر لهم على الدعوة إلى الله ممن تعجل مصادمة غير محسومة مع أعداء الله، أو تورط ببعض الأخطاء الأمنية فطورد من قبل النظام، أو أي عمل آخر لا تخرج حقيقته عن قتال النكاية ما دام أولئك الشباب قد اختاروا برنامجًا دعويًا متئدًا، فمثل تلك الأعمال لا يصح أن تعارض بها البرامج الدعوية الصحيحة التي تكون على منهاج التوحيد فضلًا عن أن تكون سببًا في إهمالها أو تدميرها، بخلاف قتال التمكين فله حساباته المختلفة.

وفي قتال النكاية قد يتساهل في أشياء لا يجوز أن يتساهل بها في قتال التمكين، خصوصًا في شأن اختيار القيادة التي يقاتل معها، فقد يكتفى في اعمال النكاية بالقائد العسكري مع قصوره في العلم الشرعي وقد يتساهل ببعض معاصيه أو انحرافاته التي لا تصل إلى الكفر، أما في قتال التمكين فينبغي على العقلاء أن لا يسلموا أزمة الجهاد إلا للقيادة الربانية الموحدة العارفة بالشرع الواعية بالواقع وتصلح للحكم بما أنزل الله ولقطف ثمار جهاد المجاهدين، حتى لا تتكرر نكسات المسلمين هنا وهناك ..

وهذا أمر لا ينبغي التفريط به ما دام الإختيار بأيدي المجاهدين، ومجاله واسعًا .. أما إذا ضاق الأمر فجواز القتال مع الأمير الفاجر لدفع الكافر مشروع من باب دفع أعظم الشرين أو المفسدتين باحتمال أدناهما ..

فإن أمكن بعد ذلك خلع الفاجر وتولية البرّ وجب ذلك ..

لكن حذار ثم حذار من عدّ اختيار الديمقراطية نظامًا للحكم أو موالاة طواغيت الشرق والغرب منهجا أو التكالب على الشرعية الدولية الكفرية والمشاركة بمؤسساتها؛ أقول حذاري من اعتبار ذلك ونحوه من الطوام فجورًا وحسب، فتختل الموازين وتنحرف التصورات وتتخبط الحسابات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت