هذه التجارب أشير إليها إشارة هنا وإن كان الواجب على الحركات الجهادية دراستها دراسة واعية، والإعتبار من دروسها وتجاوز أخطاءها وعدم تكرارها واجترارها .. وليس هذا موضوع هذه الوقفة وإنما موضوعها حث المجاهدين على التوجه إلى قتال التمكين والتركيز عليه ورعاية ثمراته وتولي قطافها .. والتنبيه إلى أن جهادهم وجهودهم في أكثر بقاع الأرض اليوم مبعثرة في أعمال لا تخرج عن قتال النكاية، وإن كانت في بعض الأحيان قد تأخذ طابع السعي للتمكين أو التحرير إلا أنها في خاتمة المطاف لا تخرج عن قتال النكاية بسبب عدم نضوجهم أو مقدرتهم على قطف الثمار أو لانحرافهم وتخبطهم أو غير ذلك من الأسباب المتقدمة، وتولي غيرهم لذلك ..
أخيرًا إذا وضح الفرق بين نوعي القتال المذكورين وعلمت حاجة المسلمين إلى التركيز على قتال التمكين وأهمية توجيه طاقاتهم إليه؛ ألخص بعض ما تقدم وأعرج على تنبيهات سريعة متعلقة بالموضوع ..
لا يصح أن تنشغل الأمة كلها أو أكثرها بقتال النكاية وتهمل قتال التمكين أو التحرير، بل يجب أن تركز الجهود على بقعة من بقاع الأرض للمسلمين فيها نوع من أنواع الشوكة أو القوة ولهم فيها مرجعية أو قيادة ذات بصر في الشرع والواقع تصلح أن يلتف الناس حولها، ويسعون لتمكينها في الأرض ليقيموا للمسلمين دولة يأوون إليها وينطلقون منها ..
من الخطأ أن تلهب عواطف الشباب ومشاعرهم لتوجيههم إلى قتال النكاية ويدفعوا بدافع الحماس إلى جبهات يُزمّر لها الإعلام ويُطبل دون دراسة لواقعها والثمرات المرجوّة منها، ويُصرفون بذلك عن جبهات قد يكون التمكين ثمرة حقيقية لها لو أنها وجدت الإمكانات والأنصار ..
من باب ميزان المصالح وفقهه ووجوب تقديم أعظم المصالح على الأدنى عند التعارض؛ لا يجوز أن يُحبط قتال التمكين أو يُعطل أو تُبطل ثمراته بتقديم بعض أعمال النكاية عليه أو معارضته بها، أو تعريضه للضرر بسببها، عند من كانت عنده خطة وبرنامجًا لذلك، وكان يحترم جهاده وطاقات المسلمين وجهودهم وأعمار شبابهم ودماءهم ..
فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك قتل كثير من المنافقين الذين أظهروا بعض الأذى في المدينة، وقتلهم لا شك من النكاية في أعداء الله الممدوحة، كما أقرّ اليهود فيها على خبثهم وأذاهم وذلك قبل الإثخان في الأرض واكتمال التمكين مع أنهم لم يكونوا ذمة ولا صاغرين، فترك قتل أولئك وأجَّل هؤلاء، حفاظا على التمكين الذي كان في أوله .. وهذا فيه من الفقه الذي يجب أن يتنبه إليه ما فيه، فلما أعز الله المسلمين في بدر قام بعدها ببعض أعمال النكاية في اليهود فقتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود ولكن لم يتوسع في ذلك وإنما اكتفى بقتل من كان يؤذيه ممن لا مفسدة على أهل الإسلام ودارهم في قتلهم إلى أن حصل له الإثخان في الأرض وتغيّرت الموازين فأنزل الله تعالى عليه قوله: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) ونحوها من الآيات ..
ومن جنس ذلك أيضًا أمره لحذيفة لما بعثه يستطلع أمر الأحزاب حين أحاطوا بالمدينة (أن لا يحدث فيهم شيئًا) وفي رواية مسلم (لا تَذعِرهم عليّ) وامتناع حذيفة عن قتل أبي سفيان سيد القوم وقتله من أعظم النكاية في أعداء الله، فتركه مع تيسره له وسهولته عليه عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يَذعرهم على المسلمين، ففيه ترك قتال النكاية دفعًا ودرءًا للمفسدة التي قد يستجلبها ذلك على المسلمين ودارهم قبل اكتمال تمكينهم وإثخانهم في الأرض ..
ففي هذا الهدي وذاك تقديم مصلحة المسلمين الراجحة ومصلحة دفع الضرر البالغ عنهم وعن تمكينهم على قتال النكاية ..