أليس من الفقه السليم والواعي أن نعرف مقام ورود كثير من الآثار التي حكيت عن كثير من شهداء الإسلام من صحابة أو تابعين أو غيرهم؛ من أنّ أكثر أمانيهم ودعواتهم كانت تنصبّ على أن يعقر جواد أحدهم ويكسر سيفه في جماجم الأعداء ويرزق الشهادة؛ أنّ أكثر ذلك كان في ظل خلافة ودولة للمسلمين .. وأن الأماني والدعوات في حال عدم هذه الدولة يجب أن تتوسع لتشمل السعي إلى تحقيق عز الإسلام والتمكين للمسلمين؛ مضافًا إلى تلك الأماني الأُوَل ..
ولماذا لا نكاد نفرح ببعض الجبهات التي تعدّى تفكير أهلها ومشروعهم قتال النكاية ووضعوا في حساباتهم السعي للتحرير أو التمكين، إلا ويعكر صفو ذلك الفرح قيادات أو شخصيات نكدة مشوشة الولاء منحرفة التصورات متخبطة المنهاج يمنحهم القادة العسكريون من المجاهدين ولاءهم، يجلسون خلف المكاتب لا في الخنادق وخلف المدافع، وينتظرون قطف الثمار!! أو يخرجون لنا من صناديق الإقتراع التي يسلّم لها بعض المجاهدين ثمرة دمائهم وأرواحهم!!
أي نكدٍ هذا الذي تكرر مرارًا مع المسلمين في تجارب شتى خلال حقبةٍ زمنية قصيرة في هذا العصر .. ولأجل ذلك لم يوفّقوا ولم يُمكّنوا رغم كثرة المخلصين والمجاهدين ووفرة المضحّين والشهداء ..
لماذا يجوز لدكتاتوريات وطواغيت ومجرمين وقتلة بل ومخانيث أن يقتحموا قصور الحكم في بلادنا على ظهر الدبابات ليحكمونا ويحكموا الأمة بأهوائهم وكفرياتهم ويدجّنوها ويطوّعوها لأوليائهم الغربيين والأمريكان ..
ولماذا جاز لمن كان قبلهم أن يتآمروا على الخلافة وينقلبوا عليها وينتزعوا الحكم من المسلمين ويحكموهم بأحكام المشركين بقوة السلاح .. ولا يجوز للمجاهدين المسلمين الموحدين، أو يستنكف بعضهم ويتورعون من أن يتغلّبوا عليهم وعلى أمثالهم، ويستردوا ما انتزع منهم ومن إسلامهم بالقوة نفسها فيطوّعوا العباد لله وحده ويخرجوهم من عبادة العباد ..
أيُّ تدجينٍ للهمم هذا؟ وأي تخنيث للعزائم والعقول؟
وأي انتكاس للأفكار يجعل المسلمين كالدجاج أو كالنعاج .. ويحظر عليهم في زمن القوة ما هم أولى الناس به من القوة والذبح والسيف الذي بُعث به نبيهم صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده ..
لا بد أن يعيد القائمون على الجهاد في بلاد المسلمين النظر في أهداف جهادهم وبرامج وخطط قتالهم، ولا بدّ أن يحسموا في حساباتهم وبرامج هذا القتال؛ أمر العمل لأجل التمكين للمسلمين في الأرض.
ولا بد مع ضرورة التركيز على ذلك وحث الخطا إليه؛ أن يدرسوا ميادين قتالهم ويرجحوا الأنفع للمسلمين والأقرب إلى هذه الغاية المهمة ..
ولا بد أن ينتقوا قياداتهم بعناية ويراعوا فيها العلم بالشرع والوعي في الواقع والشجاعة والحزم والمبادرة وعدم التلكؤ أو التردد عن تولي زمام الأمور عند الحقائق .. حتى لا تذهب ثمرات جهاد المجاهدين سدىً أو يقتطفها من لا خلاق لهم ..