وهذا النوع من القتال أعني القتال لأجل التمكين للمسلمين في الأرض أو تحرير بعض بلادهم من أيدي الطواغيت المتغلبين أو المحتلين الغاصبين يحتاج إلى إمكانات وشروط مختلفة عن قتال النكاية، ويحتاج إلى خطة شاملة وواسعة يشترك فيها أولي البصر والدراية والخبرة من العلماء الربانيين والدعاة العاملين والمجاهدين الصادقين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، بحيث يتولون أمر هذا الجهاد ويرعون نبتته حق الرعاية بأكفهم المتوضئة وتوجهاتهم النقية ونواياهم المخلصة إلى أن تينع ثمراته لتقطفها الأيدي ذاتها والنوايا والتوجهات نفسها لا غيرها ..
فلا يجوز شرعًا ولا عقلًا أن يجاهد المجاهدون الصادقون ويخلّصوا بجهادهم أو يحرّروا بعض بلاد المسلمين؛ ليتسلق بعد ذلك على جماجم الأبطال ودماء الشهداء من يقطف ثمرة جهادهم من خلال الإحتكام إلى الديمقراطيات والإنتخابات أو غير ذلك من الطرائق الجاهلية التي تعتمد على الأكثرية المنحرفة والتي أوصلت إلى الحكم كل نطيحة ومتردية وموقوذة، بعد جهاد طويل ومضنٍ للمجاهدين الصادقين ..
لماذا يستحيي المجاهدون المقاتلون الصادقون أنفسهم الذين دحروا الروس أو الصرب أو غيرهم في أفغانستان أو الشيشان أو البوسنة بقوتهم وجهادهم؛ لماذا يستحيون أو يخجلون أو يستنكفون من تسلم أزمة الأمور بالقوة نفسها التي حرّروا بها البلاد؟
أليسوا أولى الناس بتسلم أزمّة الأمور .. ؟
كم ساءني وأحزنني ما قرأته ذات يوم من كلام بعض قادة المجاهدين العسكريين البارزين في بعض البلدان حين سئل في لقاء صحفي؛ أن هل سيتولى الحكم هو وأمثاله من القادة العسكريين في حال انتهاء حرب التحرير .. فأجاب بالنفي وأوضح أنه مجاهد وغايته قتال أعداء الله في أي مكان (يعني فقط جهاد نكاية) أما الحكم والسياسة فلها أهلها ونحن لسنا أهلها .. !!
هذا الكلام السخيف لا ينبغي أن يصدر عن مجاهد يحترم جهاده ويحترم دماء الشهداء وأعمار الشباب وطاقات الأمة التي شحنت في تلك الجبهات، ويعرف مصاب الأمة بفقدها دولة الإسلام وحاجتها الماسة إلى دار تأوي إليها وتنطلق منها .. وهذا ليس تشكيكا مني في الأخ المذكور فلا أشك بأنه يعرف ذلك كله ويحترمه .. ولكن لا أدري ما باعث هذا الكلام أَوَرَعٌ بارد أم استنكاف أم تواضع في غير محله؟؟
لماذا لا يكون في حسابات المجاهدين أن يتولوا الحكم وزمام الأمور بعد التمكين هم بأنفسهم الذين صدقوا في الميدان وثبتوا خلف المدافع وفي حقول الألغام .. ؟
أليس هؤلاء أخلص الناس وأنظفهم وآمنهم على الحكم؟
لماذا يستنكف هؤلاء عن الحكم؟
وإلى متى تبقى مشاريعهم لا تتعدى قتال النكاية وأُمْنية الاستشهاد؟ وأي حرج أو أي مانع يمنع من تبني مشروعِ التمكين والسعي له مضافًا إلى النكاية وأُمْنية الإستشهاد؟