فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 115

والحماس الأجوف وحده، فهذا لا يصلح لمن تقلد المسؤولية، ولا يليق بمن يسعى لأهداف جليلة عظيمة، ولا ينبغي لجماعة أو فئة أو طائفة تتعاطى العمل الجماعي أن تنهج نهج الأفراد فتتنطط في الأهداف وتتقلبَ في المنهاج أو تقاتل بحسب المناسبات ..

فالعمل العشوائي غير المنظم ولا المنضبط بخطة أو (استراتيجية) كما يسمونها اليوم؛ يمكن أن يُتغاضى عنه بالنسبة للأفراد، أما أن تتعاطاه الجماعة فتعمل عملا عشوائيًا لا يحدوه منهج محدد ولا تربطه خطة أو برنامج واضح على طريقة الأفراد المبعثرين؛ فهذه جماعة لا تحترم جهودها ولا يهمها أعمار شبابها ولا تحرص على أموال المسلمين وطاقاتهم ولا يهمها إهدارها، وإن ادعت خلاف ذلك.

كثيرة هي في زماننا التجمعات العشوائية التي لا تمتلك أيّة خبرة بالعمل الجماعي، بعضها قادتها العشوائية والتخبط في العمل إلى الفشل فالتشرذم والتبعثر أو السجون ..

والبعض الآخر لم يتعلم من تجارب الآخرين فلا زال يعمل بعشوائية مع أن السعيد من وفّر عمره وما في كيسه واستفاد من تجارب الآخرين وما بدّدوه فتعلم من أخطائهم ووعظ بغيره ..

فترى الجماعة تنشط اليوم في حقل الدعوة إلى التوحيد مقتنعة بذلك العمل متحمسة له ومنطلقة، ثم فجأة تطرأ في البلد بعض التطورات كأن توقع اتفاقية سلام مع اليهود أو تجدّ بعض المناسبات كرأس الألفية الميلادية الثانية أو نحوها، أو تطرأ بعض التطورات في بعض نواحي البلد كمطاردة أخ من قبل أعداء الله، فإذا بأفراد ذلك التجمع أو أكثرهم فجأة يجتمعون ويقررون التصعيد العسكري ضد اليهود أو السياح المتوقع قدومهم في تلك المناسبات أو يتخذون قرارًا بالمواجهة مع النظام لنصرة ذلك الأخ المطارد وتحميل إخوانهم الآخرين آثار أخطائه سواء كانت علنيته في اقتناء السلاح أو مجاهرته بأمانيه في قتال الأمريكان أو نحو ذلك.

فيزجون بإخوانهم المشتغلين في خير عظيم ويتنطّطون بين اختيارات طارئة وغير مدروسة دون أن تكون تلك الخيارات من قبل في حساباتهم أو خطتهم الآنية؛ بل هي قرارات دافعها طروء تلك المناسبة أو ذلك الحدث أو محض حماس الساعة، أو مجرد اندفاع اللحظة، وقد يهمل أكثرهم الدعوة التي ربما كانوا قد قطعوا فيها أشواطًا طيبة، ويقفزون إلى عمل لم يكن في حساباتهم، فيهملون أو يبطلون ما كانوا فيه سائرين، ولا يحسنوا أو يحققوا ما قفزوا إليه ..

وأحيانًا تنقسم الجماعة إلى أقسام يعيب أصحاب الجانب التصعيدي الحماسي منهم على أصحاب الدعوة دعوتهم، ويعيّرونهم بما يسمونه قعودًا عن الجهاد أو خذلانا لبعض إخوانهم، وتخرج البيانات الرنانة التي تمتلئ بالعاطفة والحماسة وتتوعد بالويل والثبور، وتعيّر الصابرين على الدعوة لزومهم لدعوتهم، وأحيانًا يكون أصحاب تلك البيانات بعيدون كل البعد عن الساحة التي يتكلمون عنها، وغائبون عن الواقع الذي يدفعون إليه إخوانهم دفعا .. فيحمسون من يحمسون ويدفعون من يدفعون ويعيّرون من يعيّرون بجهل، ويتكلمون فيما لا يعلمون، بل كل ذلك بدافع العاطفة والحماس الذي ما يفتأ أن يخبو وينطفئ أمام معطيات الواقع وإمكانات الجماعة الحقيقية ولذلك تراهم لا يستجيب له في البلد حتى أفرادهم المرتبطون معهم تنظيميًا لأنهم يرون ما لا يراه أولئك الغائبون .. ثم يمضي الحدث وتنقضي المناسبة وتطويها الأيام وتبقى تلك البيانات الحماسية شاهدًا من شواهد عشوائية العمل.

كم تألمت عندما رأيت ما آل إليه حال بعض الجماعات التي تابعتها شريحة عريضة وواسعة من شباب الأمة حقبة من الزمان، ثم تناقضت ونقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، وأبطلت ما أصّلته ودعت إليه من قبل تحت مسمى المراجعات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت