فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 115

وكان جديرًا بالمراجعة والمطالعة والنظر والتروي والتأصيل أن يسبق العمل والدعوة والجهاد والترأس والتوجيه، حتى لا تذهب الجهود سدًى وتهدر الطاقات هباء .. فلا يحل أن تمارس الجماعة عملها وتجمع الجموع من حولها وتجيّش جيوش الشباب وهي لا تدري ما الذي تريده؛ فتراها في فترة تتصادم مع النصارى، ثم تشتغل بالحسبة ومنكرات المجتمع فتقتحم حفلات الزفاف وتحطم الكراسي على رؤوس المطربين والمغنيين بل والمدعوين، أو تلقي بالمواد الكيماوية الحارقة على المتبرجات، ثم تنقلب إلى قتل السياح وغير ذلك .. ثم وبعد سنيّ البلاء لا تلبث أن تراجع!! أو تتراجع وتتشرذم وتتبعثر، فيتخذها خصوم التيار الجهادي ذريعة للطعن على هذا التيار، مع أن الناظر في جذورها ونشأتها وأدبياتها؛ يعلم أن الخلل كان فيها منذ البدايات ..

كما تألمت ولا زلت أتألم عندما كنت أرى كثيرًا من التجمعات التي كانت تقر عيني بنشاطها في الدعوة إلى الله وصدعها بالتوحيد وثباتها عليه رغم البلاء وتصديها لدعاة الفتنة من أهل التجهم والإرجاء؛ كم تألمت عندما كنت أفاجأ بإخلائهم الساحة التي ملؤوها نشاطًا ودعوة، وهجرتهم إلى بلد قد قيل أن حدود الله تقام فيه أو جبهة قد قيل أن راية نقية قد رفعت فيه، فيترك أولئك الشباب دعوتهم وجهدهم في بلدهم فجأة بعد أن يكونوا قد قطعوا فيه أشواطًا ومراحل ويخرجوا منها وهم يعلمون أن الرجوع إليها سيعسّره الطواغيت بعد أن يعرف بمخرجهم كل أحد، فينتقلوا إلى ذلك البلد أو تلك الجبهة ليصدموا بعد ذلك أن من دفعهم إليها كان مبالغًا في تقاريره عنها، لم يبنِ تلك التقارير على دراسة واعية أو نظرة ثاقبة فاحصة، وإنما الدافع الأوحد كان العاطفة أو الحماس والسطحية، وربما الملل من ملاحقات طواغيت بلادهم ومحاربتهم لدعوتهم، فتكون تلكم الصدمة والمفاجأة سببًا في انقسام التجمع أو رجوع بعضه من حيث خرج لتتلقفه أجهزة المخابرات ويودع سجونهم ولا يطلق سراحه إلا بعد أن يُعصر من المعلومات عن إخوانه وتحركاتهم وتنقلاتهم ومخططاتهم، ويتشظى البعض الآخر ويتناثر بين البلدان والجبهات، فهذه الجبهة عند هذه الطائفة أنظف وتلك البقعة عند هذه المجموعة أصلح، وتبدأ كل طائفة في اختيارها الجديد بداية جديدة بجهود مبعثرة، ودون خطة واضحة أو منهجية محددة، ومع ذلك تستنفر كل طائفة من تعرف من الشباب وتدعوهم لترك ما هم فيه من دعوة للحاق بهم، وتعقد المقارنات بين الجبهات وتجمع التبرعات وتحشد الإمكانات والطاقات، ثم وبعد مدة وبكل سهولة ويسر تراهم يغيّرون الإختيار الجديد ويتركون تلك الجبهة أو ذلك المكان ويقفزون إلى جبهة أخرى أو موقع آخر أو عمل جديد لمناسبة طرأت أو جبهة فتحت .. وهكذا ..

يوما بحزوى ويومًا بالعقيق وبالعذيب يومًا ويومًا بالخليصاءِ

وتارة تنتحي نجدًا وآونة شعب الغوير وطورًا قصر تيماءِ

فلا عجب أن لا يحقق من كان هذا حاله هدفًا أو يصل إلى غاية أو يتمّ مشروعًا؛ فضلًا عن أن يقيم دولة ..

والعامة عندنا تقول: (كثير النّط قليل الصيد) .

وبعد ..

فهذه أخطاء لا يجوز السكوت عليها بحال، وكل جماعة تحترم نفسها وتحرص على جهد شبابها وأعمارهم وتهمّها طاقات المسلمين وإمكاناتهم وأموالهم؛ لا يمكن أن تمارس مثل هذه الممارسات أو تتقلب مثل هذه التقلبات، فتبطل كل يوم جهودًا وتهمل مسافات ومفازات قطعتها، وتتنطّط في الإختيار دون أدنى دراسة هنا وهناك غير محددة لهدفها أو برنامجها، وغير عارفة لما تريد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت