الصفحة 62 من 66

إلى أبي بكرٍ الصديق في وقت غير معتاد وهو متقنع ورتَّب مع أبي بكر طريقة الخروج، واتخذ الغطاء المناسب لخروجه واختفائه، وأمر علي بن أبي طالب أن ينام مكانه لخداع العدو، وأستاجر الهادي الخِرِّيت وفي ذلك يقول الله تعالى (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)

ولقد ائتمر المشركون بهذا كله ثم اختاروا قتله; على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا; ليتفرق دمه في القبائل ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر، عن ابن عباس أنه قال في الآية السابقة: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليٌ على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليا رد الله تعالى عليهم مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره; فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه [1] ، وقصة الهجرة في الصحيحين والسند والمسانيد وكتب السير والمقصود من هذا خروج النبي وصاحبه مختفيا هاربا من قومه حينما أرادوا قتله وإيذاءه.

وهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما آذاهم قومهم وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم فروا هاربين بدينهم بإذن النبي صلى الله عليه وسلم

قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي آمِنِين، فلما علمت قريشٌ بذلك، بعثت في أثرهم عبدَ الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، بهدايا وتحف من بلدهم إلى النجاشي ليردهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وشفعوا إليه بعظماء بطارقته، فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فوشوا إليه أن هؤلاء يقولون في عيسى قولا عظيما، يقولون: إنه عبد الله، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه، ومُقدمهم جعفر بن أبى طالب، فلما أرادوا الدخول عليه، قال جعفر: يستأذن عليك حزب الله، فقال للآذنِ: قل له يعيد استئذانه، فأعاده عليه، فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدرا من سورة"كهيعص"فأخذ النجاشي عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى على هذا ولا هذا العود، فتناخرت بطارقته عنده، فقال: وإن نخرتم، قال: ذهبوا فأنتم سَيوم بأرضي، من سبَّكم غُرِّم (والسيوم: الآمنون في لسانهم) ثم قال للرسولين: لو

(1) رواه أحمد، وقال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية عن رواية نسج العنكبوت: وهذا إسناد حسن، وهو من أجود ما وري في قصة نسج العنكبوت على فم الغار وذلك من حماية الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت