إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان ... إلى قوله:
فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله عز وجل، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها) ولن لنفي التأبيد أي لا يقع منا هذا أبدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا، ولهذا قال عنهم: (لقد قلنا إذا شططا) أي باطلًا وبهتانا ... فيقال إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث (يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) ، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.
فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم بذلك في قوله (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله) أي وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، (فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته) أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم (ويهيئ لكم من أمركم) الذي أنتم فيه (مرفقا) أي أمرًا ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هِرابا إلى الكهف فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال أنه لم يظفر بهم وعمى الله عليه خبرهم كما فعل بنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحبه الصديق حين لجأ إلى غار ثور ... إلى آخر ما قال رحمه الله
وحتى لا يقال إن هذا شرع من كان قبلنا، وأن فرعون كان يدعي الألوهية وأنه كان وكان،- مع أن حكامنا لا يختلفون عن فرعون كثيرا - وأن الحكام في قصة أصحاب الكهف كانوا يدعوهم إلى الشرك، فنسوق لهم من القصص والأمثلة ما يدل على أن الفرار من الظالمين هديا ثابتا لسلفنا - وأولهم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه - لم يتغير.
فقد أمر اللهُ سبحانه وتعالى رسوله الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة إلى المدينة حينما أراد المشركون أن يوثقوه ويحبسوه حتى الموت أو يقتلوه أو يطردوه من مكة، فأتى