من المعلوم أن بعض الألفاظ الواردة في نصوص القرآن والسنة قد أُرِيدَ بها معنى آخر غير المعنى الذي استعمله العرب في كلامهم وأشعارهم، أو زِيدَ عليه معنى آخر، أو نقل المعنى عن المعروف المشهور بين أهل اللغة إلى معنى آخر جديد، ومن المعلوم أنه إذا توافقت المعاني الشرعية واللغوية للألفاظ فلا إشكال في العمل بهما جميعا، وإذا اختلفت فإن المعنى الشرعي هو المقدم اتفاقًا، وأن التعبد لله تعالى إنما يكون بالمعنى الشرعي الذي أراده الشرع الحكيم في نصوصه.
قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله: وأكثر الأسماء الشرعية فإنها موضوعة من عند الله تعالى على مسميات لم يعرفها العرب قط، هذا أمر لا يجهله أحد من أهل الأرض، فمن يدري اللغة العربية ويدري الأسماء الشرعية كالصلاة فإن موضوع هذه اللفظة في لغة العرب الدعاء فقط فأوقعها الله عز وجل على حركات محدودة معدودة من قيام موصوف إلى جهة موصوفة لا تتعدى وركوع كذلك وسجود كذلك وقعود كذلك وذكر كذلك وقراءة كذلك وذكر كذلك في أوقات محدودة وبطهارة محدودة وبلباس محدود متى لم تكن على ذلك بطلت ولم تكن صلاة، وما عرفت العرب قط شيئا من هذا كله فضلا عن أن تسميه حتى أتانا بهذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
ومنها الزكاة وهي موضوع في اللغة للنماء والزيادة فأوقعها الله تعالى على إعطاء مال محدود معدود من جملة أموال ما موصوفة محدودة معدودة معينة دون سائر الأموال لقوم محدودين في أوقات محدودة، فإن هو تعدى شيئا من ذلك لم يقع على فعله اسم زكاة ولم تعرف العرب قط هذه الصفات.
والصيام في لغة العرب الوقوف تقول صام النهار إذا طال حتى صار كأنه واقف لطوله، فأوقع الله تعالى اسم الصيام على الامتناع من الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء من وقت محدود وهو تبين الفجر الثاني إلى غروب الشمس في أوقات من السنة محدودة، فإن تعدى ذلك لم يسم صياما وهذا أمر لم تعرفه العرب قط، فظهر فساد قول من قال أن الأسماء لا تنتقل في الشريعة عن موضوعها في اللغة. [2]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومما ينبغى أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبى لم يحتج في ذلك الى الاستدلال بأقوال اهل اللغة ولا غيرهم، ولهذا قال الفقها: الأسماء ثلاثة أنواع، نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف) ونحو ذلك وروى عن ابن عباس أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب، فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول ما يراد بها في كلام الله ورسوله وكذلك لفظ الخمر وغيرها ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي لم يقبل منه. [3]
تعريف الجهاد لغة هو: مطلق بذل الجُهد واستفراغ الوسع في أي شيء كان، يقال: جاهد العدو مجاهدة وجهادا إذا قاتله، ومنه قوله عز وجل (جَهد أيمانهم) أي بالغوا في اليمين واجتهدوا فيها، وفي الحديث (أعوذ بالله من جهد البلاء) [4] ، والاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر، وفي الحديث (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) [5] ، والجهاد: محاربة الأعداء وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل،
(1) من المهم لكل مسلم معرفة المعاني الشرعية للأسماء الواردة في نصوص القرآن والسنة فإنه يتوقف على ذلك معرفة كثير من الأحكام الشرعية وعدم الخطأ فيها ومعرفة ما يدخل في هذه الأسماء مما لا يدخل فيها، ومن لم يلتفت إلى ذلك ربما وقع في التقصير أو الخطأ أو الضلال دون أن يدري، ومن هذه الأسماء التي يجب معرفة معناها والمقصود منها: الإيمان والإسلام والعبادة والكفر والشرك والنفاق والخمر والربا والجهاد ... إلخ، وقد ذم الله تعالى أقواما لم يعرفوا حدود ما أنزل على رسوله، فقال تعالى (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) ولذلك فقد قال أبو بطين رحمه الله: قال ابن تيمية: ومعرفة حدود الأسماء واجبة، لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لا سيما حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات وبين ما ليس كذلك، وقد ذم الله سبحانه من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى، قال أبو بطين رحمه الله: ففرض على المكلف معرفة حد العبادة وحقيقتها التي خلقنا الله من أجلها، ومعرفة حد الشرك وحقيقته الذي هو أكبر الكبائر. (راجع الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادلة عن المشركين لأبي بطين/13)
(2) راجع الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج3/ 110.
(3) مجوع فتاوى ابن تيمية ج 7/ 286.
(4) روى البخاري ومسلم والنسائي وابن حبان وابن أبي وأبو يعلى شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يتعوذ من سوء القضاء ومن درك الشقاء ومن شماتة الأعداء ومن جهد البلاء) وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتعوذ من هذه الأربع فقال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء)
(5) رواه البخاري والترمذي والنسائي والدارمي وابن خزيمة وابن ماجة وهو عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم.