الصفحة 15 من 66

والمراد بالنية إخلاص العمل لله، أي أنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة لأنها قد صارت دار إسلام وإنما هو الإخلاص في الجهاد وقتال الكفار، والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب باليد أو اللسان أو ما أطاق من شيء.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: الجِهاد بكسر الجيم أصله لغة المشقة، يقال جهدت جهادًا بلغت المشقة [1] ، وقال القرطبي رحمه الله: والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع [2]

وقد ورد في كثير من آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق لفظ الجهاد على هذا المعنى اللغوي العام فقد قال تعالى عن الوالدين المشركين (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) ، أي وإن بذلا - أي الوالدين المشركين - غاية جهدهما حتى يحملانك على الإشراك بالله تعالى فلا تطعهما في ذلك، فسمى الله تعالى بذل الوسع واستفراغ الجهد في ذلك العمل وهو حرام بلا شك جهادا [3] ، ومثل هذا قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ، أي والذين بذلوا غاية جهدهما في عبادة الله تعالى وطاعته، ليهدينهم الله تعالى سبل الهدى والرشاد وينعم عليهم بحياة سعيدة هانئة [4] .

وقال تعالى (وجاهِدُوا في الله حق جهاده) ، وحق الجهاد قال فيه ابن عباس رضي الله عنهما: هو استفراغ الطاقة فيه، وألا يخاف في الله لومة لائم، وقال مقاتل: اعملوا لله حق عمله، واعبدوه حق عبادته، وقال عبد الله ابن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى، أي: جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل) [5] ، وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟ فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أين السائل) فقال: أنا ذا، فقال عليه السلام: (كلمة عدل

(1) فتح الباري ج6/ 3، راجع شرح الزرقاني ج3/ 3، سبل السلام ج4/ 40.

(2) تفسير القرطبي ج3/ 50.

(3) راجع تفسير الطبري ج21/ 70 ط: دار الفكر، تفسير القرطبي ج14/ 66 ط: دار الشعب، تفسير ابن كثير ج3/ 446 ط: دار الفكر.

(4) راجع تفسير ابن كثير ج3/ 423، تفسير القرطبي ج13/ 364.

(5) رواه الترمذي وأحمد والبزار وابن مندة والمروزي وهو حديث حسن وإسناده جيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت