(من قتل دون ماله فهو شهيد) ، فكتب معاوية أن خل بينه وبين أرضه، وهذا مرسل جيد الإسناد.
وقد كان هذا الحدث بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد منهم على عبد الله بن عمرو ما فعل وما تأهب له، ثم إن خالد بن العاص حينما وعظ عبد الله بن عمرو بن العاص ذكر له الحديث فما قال له إن السلطان مستثنى منه ولا ذُكر في الروايات شيئا من ذلك مما يدل على أن الثابت عند الصحابة عدم الاستثناء.
ولذلك قال ابن حزم رحمه الله في المحلى: وهكذا إذا أريد بظلم فمنع من نفسه سواء أراده الإمام أو غيره، وهذا مكان اختلف الناس فيه، فقالت طائفة: إن السلطان في هذا بخلاف غيره ولا يحارب السلطان وإن أراد ظلما، كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني أن رجالا سألوا ابن سيرين فقالوا: أتينا الحرورية زمان كذا وكذا لا يسألون عن أنهم يقتلون من لقوا، فقال ابن سيرين: ما علمت أن أحدا كان يتحرج من قتل هؤلاء تأثما ولا من قتل من أراد قتالك إلا السلطان، وخالفهم آخرون فقالوا: السلطان وغيره سواء ... وذكر القصة الواردة في الحديث السابق ثم قال:
فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقية الصحابة وبحضرة سائرهم رضي الله عنهم يريد قتال عنبسة بن أبي سفيان عامل أخيه معاوية أمير المؤمنين إذ أمره بقبض الوهط ورأى عبد الله بن عمرو أن أخذه واجب وما كان معاوية رحمه الله ليأخذ ظلما صراحا لكن أراد ذلك بوجه تأوله بلا شك ورأى عبد الله بن عمرو أن ذلك ليس بحق ولبس السلاح للقتال ولا مخالف له في ذلك من الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا جاء عن أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان وأصحابهم أن الخارجة على الإمام إذا خرجت سئلوا عن خروجهم فإن ذكروا مظلمة ظلموها أنصفوا وإلا دعوا إلى الفيئة، فإن فاؤوا فلا شيء عليهم وإن أبوا قوتلوا ولا نرى هذا إلا قول مالك أيضا، فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن نرد ما اختلفوا فيه إلى ما افترض الله تعالى علينا الرد إليه إذ يقول تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ، ففعلنا فلم نجد الله تعالى فرق في قتال الفئة الباغية على الأخرى بين سلطان وغيره، بل أمر تعالى بقتال من بغى على أخيه المسلم عموما حتى يفيء إلى أمر الله تعالى وما كان ربك نسيا، وكذلك قوله عليه السلام (من قتل دون ماله فهو شهيد) أيضا عموم لم يخص معه سلطانا من غيره، ولا فرق في قرآن ولا حديث ولا إجماع ولا قياس بين من أريد ماله أو أريد دمه أو أريد فرج امرأته أو أريد ذلك من جميع المسلمين، وفي الإطلاق على هذا هلاك الدين وأهله وهذا لا يحل بلا خلاف وبالله تعالى التوفيق.