الصفحة 55 من 66

* ثم إن المعروف عن ابن المنذر أنه متساهل في حكاية الإجماعِ، ولا يسلم بكل ما يحكيه من إجماعات أو اتقاقات، وهذا معروف لمن له دربة بالفقه، ومما يدل على نقض ما ذكره ابن المنذر عموم الحديث الوارد في دفع الصائل ونصه: أرأيت إن جاءني رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه) قال: فإن قاتلني؟ قال: (فقاتله) ، والحديث يدل على عموم الدفع ولم يخص السلطان من ذلك، ومن المعلوم أن ترك الاستفصالِ في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال، ومما يقوي هذا المعنى لفظة (رجل) حيث أنها نكرة في سياق الشرط وهي تدل على العموم.

ومما يقوي هذا النقض ويؤيده ما ورد من قصة في ذكر الحديث كما ثبت في مسلم وغيره: لما كان بين عبد الله بن عمرو وعنبسة بن أبي سفيان ما كان تيسرا للقتال ... وذكر الحديث واستدلال عبد الله بن عمرو به في هذا الموضع، وقول الراوي ما كان هو من اختصار بعضِ رواة الحديث، وقد جاء هذا مفصلا في روايات في روايات أخرى تبين سبب ذكر عبد الله بن عمرو للحديث واستدلاله به، ومن اللفظ الثابت في صحيح مسلم يظهر أن عنبسة أراد العدوان على شيء من مال عبد الله بن عمرو، فأراد عبد الله أن يقاتل دونه، وحين حوجج استدل بالحديث، وعنبسة كان والي معاوية على الطائف ومكة، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأشار بقوله: (ما كان) إلى ما بينه حيوة في روايته المشار إليها، فإن أولها أن عاملا لمعاوية أجرى عينا من ماء ليسقي بها أرضا، فدنا من حائط لآل عمرو بن العاص فأراد أن يخرقه ليجري العين منه إلى الأرض، فأقبل عبد الله بن عمرو ومواليه بالسلاح وقالوا: والله لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد ... فذكر الحديث، والعامل المذكور هو عنبسة بن أبي سفيان أخا معاوية كما ظهر من رواية مسلم، وكان عاملًا لأخيه على مكة والطائف، والأرض المذكورة كانت بالطائف، وامتناع عبد الله بن عمرو من ذلك لما يدخل عليه من الضرر، ورواية حيوة - وهو ابن شريح المصري - المشار إليها هي روايته الحديث عن أبي الأسود عن عكرمة عن عبد الله بن عمرو بن العاص التي أخرجها الطبري فيما ذكر الحافظ في الفتح وإسنادها على شرط الصحيح إن صح إلى حيوة.

وظاهر من هذه الروايات أن معاوية رضي الله عنه أراد أن يأخذ الأرض، وأمر أخاه عنبسة وهو واليه على مكة بأخذها، فكان من عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ما كان، وهو ما جاء صريحا فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أرسل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى عامل له ليأخذ الوهط فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته، وقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من قتل دون ماله مظلوما فهو شهيد) ، فكتب الأمير إلى معاوية: أن قد تيسر للقتال وقال إني سمعت رسول الله يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت