الصفحة 37 من 66

بسبب تركها للجهاد، تأمل مصابها في بلاد الشام وبخاصة منها فلسطين، ثم تأمل مصابها في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفو وكيف أن الناس ضربوا في الوديان والغابات يؤاثرون وحشية الوحوش المفترسة على وحشية الوحوش الآدمية الصربية الصليبية، ثم تأمل مصابها مؤخرًا في الشيشان، انظر شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا ما من قطر من أقطار الأرض إلا وتجد فيه الشعوب تدفع ضريبة باهظة في دينها وفي معاشها، في كل ما تملك من مالٍ وأرض وعرض، كل ذلك بسبب تخليها عن الجهاد في سبيل الله وإيثارها للدعة والراحة وركونها لظاهر الحياة الدنيا. انتهى

وقال صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها) ، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذٍ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن) ، فقال: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) [1] ، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (حبُّكم الدنيا وكراهيتكم القتال) [2]

وقد صدق الشاعر حين تمثل قائلا:

إني لأفتح عينِي حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدًا!

2ـ ومن مقاصد الجهاد أيضا انتهاء الكفار والمشركين عن كفرهم وشركهم ورفع شعائر الإسلام عالية وإقامة أحكام الشريعة على الخلق كلهم وإرغام أنف الكافرين، قال تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) [3] ، وهذه الآية الكريمة تبين أن من الغايات من إيجاب القتال على أهل الإيمان أن لا يبقى في الأرض أي مظهر من مظاهر الشرك أو الكفر، وأن ترتفع كل مظاهر الإكراه المادي والمعنوي عن المستضعفين في الأرض وأن يكون كل الناس أحرارا في اختيارهم وتحمل تبعات ما يختارونه من دين، لأن معنى الفتنة شامل للمعنيين، وتدل الآية أيضا على أن أهل الكفر إن انتهوا عن كفرهم وشركهم فلا سلطان لأحد عليهم، إلا من أصاب حدا أو جرما فقد ظلم نفسه وجعل لغيره عليه سلطانا.

قال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى (وقاتلوهم) أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع

(1) رواه أحمد وأبو داود والبخاري في الكنى وابن أبي شيبة.

(2) رواه أحمد بإسناد جيد.

(3) سورة البقرة، الآية: 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت