وقال صلى الله عليه وسلم: (بُعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله تعالى وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري) [1]
وفي بيان مغبة ترك الجهاد يقول تبارك وتعالى (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير) [2]
وهذه الآية الكريمة صريحة في أن ترك الجهاد في سبيل الله تعالى سبب موجب للعقوبة العاجلة في الدنيا بضرب الذل على الرقاب والهلاك والاستبدال والعقوبة الآجلة في الآخرة بالعذاب الأليم وهذه الصفة بعينها هي صفة المحرم المجمع على تحريمه، فالآية صريحة في تحريم القعود عن الجهاد والتخلف عنه، ومفهوم الآية واضح في أن القيام بفريضة الجهاد مُنْجٍ من عذاب الدنيا والآخرة بفضل الله تعالى ورحمته. [3]
وقال صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغزُ ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق) [4] ، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: (من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة) [5] ،
قال السيد البكري الدمياطي رحمه الله: واعلم أنه ينبغي لكل مسلم أن ينويَ الجهاد في سبيل الله ويُحَدِّثَ نفسه به حتى يسلم من الوعيد الوارد في ترك ذلك، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) ، وينبغي الإكثار من سؤال الشهادة، قال صلى الله عليه وسلم (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) [6] ، نسأل الله العظيم أن يمن علينا بالشهادة وبالحسنى وزيادة [7]
وقال الشيخ أبي بصير: فالمؤمن لا يجوز له إلا أن يكون واحدًا من ثلاث: إما أن يكون غازيًا في سبيل الله، وإما أن يخلف غازيًا في أهله بالخير، وإما أن يجهز غازيًا في سبيل الله، فإن لم يكن واحدًا من هؤلاء فلينتظر قارعة تنزل بساحته لا يعلم ماهيتها وحجمها إلا الله قبل يوم القيامة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب) [8] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [9] ، قال الشيخ أبو بصير: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي هوان وأي ذلٍّ تعيشه أمة الإسلام في هذا الزمان
(1) رواه أحمد والترمذي وصححه وأبو داود وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي في الشعب وأورده البخاري في صحيحه تعليقا.
(2) سورة التوبة، الآية: 39.
(3) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نوعا من العقوبة التي تقع بين أهل الإسلام بالقعود عن الجهاد والتخلف عنه وهي العداوة والبغضاء واختلاف القلوب الذي يحدث بين أهل الإسلام بل بين المجاهدين أنفسهم وهذا واقع مشاهد فقال رحمه الله: قد يكون العذاب من عنده وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع، فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألف بينهم وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم (راجع مجموع الفتاوى ج15/ 44)
(4) رواه مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم وأبو عوانة والدارمي.
(5) رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي أمامة وصححه عبد الواحد المقدسي في الأحاديث المختارة.
(6) رواه مسلم والنسائي وابن حبان وابن ماجة والبيهقي وأبو عوانة.
(7) راجع إعانة الطالبين للسيد البكري بن السيد محمد شطا الدمياطي ج4/ 180.
(8) رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه علي بن سعيد الرازين قال الدارقطني: ليس بذاك، وقال الذهبي: روى عنه الناس، وقد حسن المنذري إسناده، وعن واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من أهل بيت لا يغزو منهم غاز أو يجهز غازيا بسلك أو مأثرة أو ما يعد لها من الورق أو يخلفه في أهله بخير إلا أصابهم الله بقارعة يوم القيامة) رواه الطبراني في الأوسط وفيه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف.
(9) رواه بهذا اللفظ أبو داود والبيهقي وذكره المنذري في الترغيب والترهيب عن ابن عمر وروى الإمام أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن أبي حباب عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مزلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه) ولأيعلى والروياني في مسنده وصححه ابن القطان عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما نرى أن أحدا منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد أدخل الله عليهم الذل لا ينزعه مهم حتى يراجعوا دينهم) والحديث عند الطبراني في الكبير بلفظ (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتركوا الجهاد في سبيل الله ولزموا أذناب البقر وتبايعوا بالعينة سلط الله عليهم بلاء لم يرفعه حتى يراجعوا دينهم) قال ابن القيم: رواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبدالرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر، فأما رجال الأول فأئمة مشاهير وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر، والإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر فإن عطاء الخرساني ثقة مشهور وحيوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبدالرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم، وله طريق ثالث رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبدالرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ (راجع حاشية ابن القيم على سنن أبي دادو ج9/ 245)