سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما يؤدي إليه الفتنة، وقيل إن الفتنة هي الاختبار والكفر عند الاختبار إظهار الفساد. اه [1]
وقال تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) [2] ، وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها بعض العلماء أنه نسخت كل آيات الصفح والعفو والصبر على أذى المشركين، وهي صريحة في القعود للكفار بكل طريق وقتلهم حيثما كانوا جماعات أو فرادى والترصد لهم واغتيالهم والقضاء عليهم بكل سبيل فلا يخلى سبيلهم إلا بعد الإسلام لله تعالى وترك عبادة الأصنام الباطلة والالتزام بشعائر الإسلام الظاهرة.
والآية دليل ظاهر أن ساحة الجهاد والقتال مع العدو المحارب ليست مقصورة على بقعة الأرض التي غزاها أو احتلها من بلاد المسلمين؛ بل المحارب يحارب ويهدر دمه وماله في كل بقاع الأرض وحيثما وجد في أرض الله.
قوله تعالى (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) [3] ، وفي هذه الآية يبين ربنا تبارك وتعالى أن كل من نقض عهده مع أهل الإسلام أو تولى مهمة الطعن في الدين ورفع لواء التشكيك في الإسلام أو استهزأ برسوله صلى الله عليه وسلم أو عابه وتنقصه أو طعن في الوحي وقدح فيه أو في نَقَلَةِ الشريعة المطهرة بغير حق ليهدم أساس الدين فإنه من أئمة الكفر الذين يجب قتالهم حتى يرتدعوا هم وأمثالهم عن ذلك.
وحكم القتل هذا عام في كل من فعل ما سبق وسواء كان ذلك ممن كان ينتسب إلى الإسلام أو كان من أهل الذمة أو من الكفار المشركين فإن حكمهم جميعا واحد القتل لا محالة، وهذا لا اختلاف فيه بين أهل العلم إلا في أهل الذمة، على أن الراجح هو قتلهم وليس المسوغ للقتل هو اجتماع نقض العهد مع الطعن في الدين فقط، بل إن كل واحد من الأمرين مذهب للعصمة موجب للقتل، فنقض العهد مع أهل الإسلام أو الإخلال بشرط من شروطه الرئيسة التي يتم الاتفاق عليها مع أمراء المسلمين مهدر لدم من فعل ذلك وإن لم يطعن في دين الإسلام كما يتضح ذلك من سنته صلى الله عليه وسلم مع أهل
(1) أحكام القرآن للجصاص ج1/ 324، راجع ج4/ 229، فتح القدير للشوكاني ج2/ 351.
(2) سورة براءة، الآية: 5.
(3) سورة براءة، الآية: 12.