الصفحة 33 من 66

وعبادتهم لغير الله ومقاتلتهم أهل الإيمان أعظم مما يقع من بعض المقاتلين من خطأ أثناء قتالهم لهم.

وقال تعالى (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [1] وهذه الآية تبين فرض قتال الكفار والمشركين لأن المقصود بكتب هنا فرض، وإن كانت النفوس قد جبلت على كراهية مفارقة الأوطان والأهل والأحباب وما قد يكون في القتال من القتل أو الجراح أو الأسر، لكن لما كان ما يحصل في قتال الكفار من الظفر والعز والغلبة وقهر أعداء الله تعالى، وما يحصل لبعض المقاتلين من تحصيل أعلى منازل الجنان وجوار الرحمن بالشهادة، وما يحصل لأهل الإيمان أيضًا من الأنفال والمغانم والسبايا أُمِرَ أهل الإيمان بترويض أنفسهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما أحبوا وكرهوا، وذلك لأن النفس قد تكره ما فيه نفعها وصلاحها مثل الخروج للجهاد لأنها لا تعلم وجه المصلحة فيه، وقد تؤثر القعود والجبن وفيه من الذل والقهر والقتل واستيلاء العدو على الأعراض والدماء والأموال ما هو معلوم.

قال الشيخ أبو بصير الشامي حفظه الله: فقوله تعالى: (كتب عليكم القتال) أي فُرض، وهو كقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام) من حيث دلالة الوجوب، فكما أن الصيام فرض وكتب على المؤمنين كذلك القتال والجهاد في سبيل الله فهو فرض وكتب على المؤمنين، والأمة عندما تستقبل الأمر بالقتال والجهاد كما تستقبل الأمر بالصيام، وتستعد وتفرح للأول كما تستعد وتفرح للثاني، فحينئذٍ استبشروا بالفتح وبنصر من الله قريب، ومما يستغرب له ويشتد له العجب أن الأمة لا تقبل من أحد أيًا كان وصفه أو كانت مكانته أن يجادلها في شرعية ووجوب (كتب عليكم الصيام) بينما نراها لا تحرك ساكنًا ولا تبدي اعتراضًا عندما ينبري من ذوي النفوس المريضة المشبوهة من يشكك في شرعية ووجوب (كتب عليكم القتال) علمًا أن كلا الآيتين لهما نفس الدلالة من حيث الأمر والوجوب؟! انتهى كلامه

وقال تعالى مؤكدا الوجوب السابق قال تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) [2] قال الجصاص رحمه الله: قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) يوجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس: الفتنة هاهنا الشرك، وقيل: إنما

(1) سورة البقرة، الآية:216.

(2) سورة البقرة، الآية: 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت