الصفحة 21 من 66

يفارقه إيثارا من النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك واستظهارا برأيه في الحرب وأنسا بمكانه، ثم كان عمر ربما شورك في ذلك، وقد أنفرد بهذا المحل دون علي ودون سائر الصحابة إلا في الندرة، ثم نظرنا مع ذلك في هذا القسم من الجهاد الذي هو الطعن والضرب والمبارزة فوجدنا عليا لم ينفرد بالسيوف فيه، بل قد شاركه فيه غيره شركة العيان كطلحة والزبير وسعد ومن قتل في صدر الإسلام كحمزة وعبيدة ابن الحارث بن عبد المطلب ومصعب بن عمير [1]

فقد كانت أغلب حالات النبي صلى الله عليه وسلم والخيرة من أصحابه مستوعبة في الدعوة إلى الدين الحق وتدبير أمر المقاتلين والمشورة النافعة لهم، ثم قد كان لهم نصيب ليس بقليل من مباشرة الطعن والضرب والرمي في سبيل الله تعالى، ومن هنا يتبين أن الجهاد ليس مقتصرا على شعبة واحدة بل هو شعب وأنواع متعددة ينبغي عدم إهمال أحدها، وأن أعظمها هو ما كان أكثرها فائدة للمجاهدين.

ويقول ابن القيم رحمه الله في بيان ذلك أيضا: ولهذا كان الجهاد نوعين، جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير، والثاني: الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه، قال تعالى في سورة الفرقان - وهي مكية - (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) [2] ، فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجِهَادَين وهو جهاد المنافقين أيضا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) [3] ، ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن، والمقصود أن سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم ودعوة الخلق به إلى الله، ولهذا قال معاذ رضى الله عنه: عليكم بطلب العلم فإن تعلمه لله خشية ومدارسته عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد، ولهذا قرن سبحانه بين الكتاب المنزل والحديد الناصر كما قال تعالى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز) [4] ، فذكر الكتاب والحديد إذ بهما قوام الدين، كما قيل:

(1) راجع منهاج السنة النبوية ج8/ 87،88، وراجع نص كلام ابن حزم رحمه الله في الفصل في الملل والنحل ج4/ 107.

(2) سورة الفرقان، الآية: 52.

(3) سورة التوبة، الآية: 73.

(4) سورة الحديد، الآية: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت