ولذلك فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبينا معنى الجهاد: والجهاد منه ما هو باليد ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة فيجب بغاية ما يمكنه، ويجب على القعدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم ومالهم [1]
وقال أيضا رحمه الله مبينا أن العلم الشرعي الخادم للجهاد هو أساس الجهاد وأصله الذي يبنى عليه ولولاه - أي لولا هذا العلم - لما عرف المجاهدون علام يقاتلون ومن يقاتلون وما هي آداب القتال فقال رحمه الله: وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية لا يجب على كل أحد بعينه أن يكون عالما بالكتاب لفظه ومعناه عالما بالحكمة جميعا، بل المؤمنون كلهم مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم كما هم مخاطبون بالجهاد، بل وجوب ذلك أسبق وأوكد من وجوب الجهاد، فإنه أصل الجهاد ولولاه لم يعرفوا علام يقاتلون، ولهذا كان قيام الرسول والمؤمنين بذلك قبل قيامهم بالجهاد، فالجهاد سنام الدين وفرعه وتمامه وهذا أصله وأساسه وعموده ورأسه [2]
ونقل أيضا في كلام جامع مانع مبين لهذا المعنى عن ابن حزم رحمه الله أنه قال: وجدناهم - أي الرافضة - يحتجون بأن عليا كان أكثر الصحابة جهادا وطعنا في الكفار وضربا والجهاد أفضل الأعمال، قال: وهذا خطأ، لأن الجهاد ينقسم أقساما ثلاثة: أحدها الدعاء إلى الله تعالى باللسان، والثاني: الجهاد عند الحرب بالرأي والتدبير، والثالث: الجهاد باليد في الطعن والضرب، فوجدنا الجهاد باللسان لا يلحق فيه أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ولا عمر، أما أبو بكر فإن أكابر الصحاب أسلموا على يديه فهذا أفضل عمل وليس لعلي من هذا كثير حظ، وأما عمر فإنه من يوم أسلم عز الإسلام وعبد الله علانية، وهذا أعظم الجهاد، وقد انفرد هذان الرجلان بهذين الجهادين اللذين لا نظير لهما ولا حظ لعلي في هذا، وبقي القسم الثاني وهو الرأي والمشورة فوجدناه خالصا لأبي بكر ثم لعمر، بقي القسم الثالث وهو الطعن والضرب والمبارزة فوجدناه أقل مراتب الجهاد ببرهان ضروري وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشك عند كل مسلم في أنه المخصوص بكل فضيلة، فوجدنا جهاده صلى الله عليه وسلم إنما كان في أكثر أعماله وأحواله بالقسمين الأولين من الدعاء إلى الله عز وجل والتدبير والإرادة، وكان أقل عمله الطعن والضرب والمبارزة لا عن جبن بل كان أشجع أهل الأرض قاطبة نفسا ويدا وأتمهم نجدة، ولكنه كان يؤثر الأفضل فالأفضل من الأعمال فيقدمه ويشتغل به، ووجدناه يوم بدر وغيره كان أبو بكر معه لا
(1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج4/ 608، راجع كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور البهوتي ج3/ 36.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية ج15/ 390.