فما هو إلا الوحي أو حد مرهف تميل ظباه أخدعا كل مايل
فهذا شفاء الداء من كل عاقل ... وهذا دواء الداء من كل جاهل
ولما كان كل من الجهاد بالسيف والحجة يسمى سبيل الله فسر الصحابة رضي الله عنهم قوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) بالأمراء والعلماء، فإنهم المجاهدون في سبيل الله، هؤلاء بأيديهم وهؤلاء بألسنتهم، فطلب العلم وتعليمه من أعظم سبيل الله عز وجل، قال كعب الأحبار: طالب العلم كالغادي الرايح في سبيل الله عز وجل، وجاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم: إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد، وقال سفيان بن عيينة: من طلب العلم فقد بايع الله عز وجل، وقال أبو الدرداء: من رأى الغدو والرواح إلى العلم ليس بجهاد فقد نقص في عقله ورأيه [1]
وقال أيضا رحمه الله عن تعريف الجهاد على معناه العام: لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه واستولى على أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، وكانت ساعاته صلى الله عليه وسلم موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده، ولهذا كان أرفع العالمين ذكرا وأعظمهم عند الله قدرا، وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه وقال (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) ، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) ، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددا فهم الأعظمون عند الله قدرا.
ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه، كان للرسل صلوات الله عليهم وسلامه من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا صلوات الله وسلامه عليه من ذلك أكمل الجهاد وأتمه، ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) ، كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج وأصلا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله، بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج، فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما ويخذ له ويرجف به ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما وهو الشيطان، قال تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) [2] ، والأمر باتخاذه عدوا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته، كأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.
فهذه ثلاثة أعداء أمر العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بلي بمحاربتها في هذه الدار وسلطت عليه امتحانا من الله له وابتلاء، فأعطى الله العبد مددا وعدة وأعوانا وسلاحا لهذا الجهاد وأعطى أعداءه مددا وعدة وأعوانا وسلاحا، وبلا أحد الفريقين بالآخر وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم ويمتحن من يتولاه ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه كما قال تعالى (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) [3] ، وقال تعالى ذلك (ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) [4] ، وقال تعالى (ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) [5] ، فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى وأنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله وأمدهم بملائكته وقال لهم (إني معكم فثبتوا الذين آمنوا) [6] ، وأمرهم من أمره بما هو من أعظم العون لهم على حرب عدوهم، وأخبرهم أنهم إن امتثلوا ما أمرهم به لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم، وأنه إن سلطه عليهم فلتركهم بعض ما أمروا به ولمعصيتهم له، ثم لم يؤيسهم ولم يقنطهم بل أمرهم أن يستقبلوا أمرهم ويداووا جراحهم ويعودوا إلى مناهضة عدوهم فينصرهم عليهم ويظفرهم بهم، فأخبرهم أنه مع المتقين منهم ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا على عدوهم، ولولا دفاعه عنهم لتخطفهم عدوهم واجتاحهم، وهذه المدافعة عنهم بحسب إيمانهم وعلى قدره، فإن قوى الإيمان قويت المدافعة، فمن وجد خيرا
(1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن القيم ج1/ 70،71.
(2) سورة فاطر، الآية: 6.
(3) سورة الفرقان، الآية: 20.
(4) سورة محمد، الآية: 4.
(5) سورة محمد، الآية: 31.
(6) سورة الأنفال، الآية: 12.