ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [1] ، ولذلك فقد حذرنا ربنا الرحمن بالاستبدال إذا بدلنا ديننا وأعرضنا عن شريعتنا فقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) [2] فهذه صفات الكرام على ربهم: الذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين والجهاد في سبيل الله تعالى.
وأينما التفت المرء يمنة ويسرة وقلب وجهه بين جماعات المسلمين وما أكثرهم في زماننا، وجد قلوبا متنافرة وأجسادا متباعدة وأفكارا ومناهج متناحرة ودسائس ومكائد في السر والعلن، بل قد ذهب بعض هذه الجماعات إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير فقدموا فروض الولاء والطاعة لأعداء الأمة من يهود ونصارى وطواغيت ومرتدين وكانت فتاواهم جاهزة لتبرير مخططاتهم الآثمة وأصبحت ألسنتهم وفتاواهم على المجاهدين أشد من سيوف الأعداء، وكثير من هذه الجماعات يقف موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيه وهو يرى أمة من أهل الإسلام تتقطع أشلاؤها وتضيع شريعتها تحت قنابل اليهود والنصارى الفتاكة ولا يحرك ساكنا، ناهيك عن موقف الملايين من العوام الذين لا هم لهم إلا لقمة العيش والنومة الهادئة، فأنى لهؤلاء أن تقوم لهم قائمة أو تتحقق لهم عزة أو يروا تمكينا؟
(1) رواه بهذا اللفظ أبو داود والبيهقي وذكره المنذري في الترغيب والترهيب عن ابن عمر وروى الإمام أحمد أيضا عن يزيد بن هارون عن أبي حباب عن شهر بن حوشب أنه سمع عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مزلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه) ولأيعلى والروياني في مسنده وصححه ابن القطان عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما نرى أن أحدا منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد أدخل الله عليهم الذل لا ينزعه مهم حتى يراجعوا دينهم) والحديث عند الطبراني في الكبير بلفظ (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتركوا الجهاد في سبيل الله ولزموا أذناب البقر وتبايعوا بالعينة سلط الله عليهم بلاء لم يرفعه حتى يراجعوا دينهم) قال ابن القيم: رواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبدالرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر، فأما رجال الأول فأئمة مشاهير وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر، والإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر فإن عطاء الخرساني ثقة مشهور وحيوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبدالرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم، وله طريق ثالث رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبدالرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ (راجع حاشية ابن القيم على سنن أبي دادو ج9/ 245)
(2) سورة المائدة، الآية: 54.