لو تتبعنا الأمر في العراق سنقع على نشأة مماثلة لم يكن التنظيم فيها، بحد ذاته، هدفا. فـ «جماعة التوحيد والجهاد» خاضت قتالا مريرا ضد الأمريكيين والقوى الحليفة لها في العراق قبل أن تتخذ لها اسمها أو تفكر حتى بإصدار بيان يتبنى ما تقوم به من عمليات، أما أبو مصعب الزرقاوي فلم يكن، آنذاك، ليفكر بتأسيس جماعة أو قيادتها قبل أن ينضم أبو أنس الشامي إليه ويصر لاحقا على ضرورة وجود هوية وقيادة لمن يقاتلون معه خاصة بعد أن تبنت جهات عديدة المسؤولية عن عمليات قام بها مقاتلوه [1] . أما «حركة الشباب المجاهدين» في الصومال فكانت مندمجة في إطار «المحاكم الإسلامية» ، وقبل ذلك لم تتخذ لها اسما، ولم يعرف عنها أي شيء يذكر قبل الغزو الأثيوبي للصومال وسقوط «المحاكم» [2] .
الحقيقة أن الشواهد على عقدية التيار أكثر من أن تخطئها العين، ومع ذلك فقد اتجهت الكثير من الدراسات والتحليلات إلى قراءة القاعدة والتيار كما لو أنها تنظيم تقليدي يمكن تفكيكه أو هزيمته عبر المقاربة الأمنية أو الإعلامية أو حتى التنظيمية. وفي السياق بدا واضحا محاولات الفصل المحمومة بين قيادات القاعدة على أساس وطني، كالتفريق بين السعوديين والمصريين أو الفلسطينيين والسعوديين أو الزعم بوجود تنافس في القيادة ين المصريين والليبيين. وغني عن البيان الفشل الذريع الذي منيت به مثل هذه القراءات خاصة وأن التيار برمته لا يعترف قط بالتراث الوضعي ولا بمفاهيمه وتقنياته ومصطلحاته ونظمه المعرفية ولا بنماذجه الثقافية. فالتيار يجتمع حول مرجعية عقدية، ويسترشد في عمله وسلوكه ويبني سياساته انطلاقا من النص الشرعي والسنة والاجتهاد والإجماع، أما أدائه الميداني فيقع بموجب ما تفرضه السياسة الشرعية من مصالح ومفاسد وكذا التراث والفتوحات والغزوات الإسلامية وما تقدمه من نماذج قابلة للاقتداء.
لا بد من التنبيه بداية إلى أن تعبير «السلفية الجهادية» [3] بدأت تباشيره الأولى في سبعينات القرن الماضي، نظريا، في رحاب أحفاد الدعوة الوهابية التي نجحت في محاربة «شرك القبور» لكنها لم تنجح، بحسب السلفية الجهادية، في محاربة «شرك الحاكمية» لعجزها عن تنزيل الحكم الشرعي على الواقع. هذا الخلاف كان في الواقع بمثابة المقدمة التاريخية الجوهرية التي مهدت لاحقا لظهور التعبير في أول مناسبة حاسمة له توفرت في أعقاب انفجارات مدينتي الرياض (13/ 11/1995) والخُبر (25/ 6/1996) في السعودية. فقد تلا الحدثان إجراءات أمنية، وحملات لاستصدار فتاوى شرعية، ودعوات باتخاذ مواقف واضحة لا لبس فيها
(1) الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27 ذي القعدة سنة 1427 هـ، ص 14.
(2) (غزت القوات الأثيوبية الصومال في 24/ 12/2006، وانسحبت منه بتاريخ 15/ 1/2009.
(3) لا يحبذ التيار الجهادي استعمال التعبير للدلالة عليه، وبدلا منه يفضل التعبير عن نفسه باسم «أهل السنة والجماعة» ، ومؤخرا ظهر مصطلح «أهل التوحيد» . والقياديان الوحيدان اللذان استعملا التعبير، خلافا لكافة رموز التيار، هما أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية) في خطابه الصوتي المعنون بـ: «وإن تنتهوا فهو خير لكم» في سياق هجومه على إيران. (مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان» الإعلامية التابعة لـ «دولة العراق الإسلامية» ، 7/ 8/2007) ، وأبو حمزة المهاجر في خطابه الصوتي بعنوان: «قل موتوا بغيظكم» ، (مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان» ، 5/ 5/2007) .