الصفحة 6 من 16

بتطبيقات عقلانية لَمَا نفذت القاعدة هجمات 11 سبتمبر على أهداف من المفترض أنها مستحيلة حتى على أعتى القوى الدولية، ولَمَا حارب الخليفة الراشد أبو بكر الصديق المرتدين وأنفذ بعث أسامة، وهو الأرق قلبا والأشد عاطفة، في الوقت الذي أصابت فيه الفتنة كبار الصحابة واجتاحت الردة الجزيرة العربية حتى لم يتبق منها سوى المدينة ومكة.

نفس الأمر ينطبق على مفاهيم «المقاومة» و «الجهاد» حيث المدخلات الشرعية لكل منهما تختلف عن الآخر، وكذا هو الحال بالضبط بالنسبة للمخرجات. ويمكن ملاحظة الأمر ذاته، أيضا، فيما يتعلق بالموقف من الأيديولوجيات والعقائد الوضعية وهي تتحدث مثلا عن «الوحدة العربية» أو «الوحدة الإسلامية» أو الوحدة الوطنية» كمصطلحات تعمل في نطاق منظومة «سايكس - بيكو» التي صممت أصلا لتعمل بموجب ميكانزمات التفكيك وليس التجميع أو التفريق وليس التوحيد، في حين أن الإسلام يستعمل بدلا من ذلك مفهوم «الاعتصام» الشرعي مرشدا وموجها لجماعة المسلمين. ولأن مدخلات مثل هذه المنظومة الاستعمارية التي تحولت مع الوقت إلى منظومة ثقافية لا يمكن لها أن تنتج مخرجاتها أي شكل من أشكال الوحدة نجد السلفية ترفع شعار «الدم الدم والهدم الهدم» لكل الأبنية القائمة بوصفها نماذج غير شرعية، فضلا عن أنها لا تصلح البتة كأدوات عمل لا للتوحد ولا للتفاهم ولا للتقاسم الوظيفي بين القوى الإسلامية أو بين هذه والقوى العلمانية [1] .

إذن لما يكون الصراع مع «طواغيت العرب والعجم» بالمنظور السلفي الجهادي محملا بهذا المنطق من الفهم المغاير لكل ما سبقه، والذي يسعى إلى «الهدم» محليا ونقل المعركة من الهامش إلى المركز [2] بعقلية «اليوم نغزوهم ولا يغزوننا» ، وعلى أساس الموقف العقدي بحسب تعبير أسامة بن لادن: «لسنا جامدين ... سندور حيث تدور العقيدة» [3] ؛ فالمعنى أن الوجهة المنهجية في قراءة الظاهرة يشوبها قصور بالغ إن لم تكن أخطاء قاتلة لن تفضي لأية نتائج.

ثانيا: النشأة العقدية للظاهرة

بداية لا بد من القول الفصل بأننا لسنا معنيين مطلقا ولا مضطرين لِأنْ نقبل أو نرفض أطروحة السلفية الجهادية، لكن منطق الأطروحة يفرض علينا التحدث بلغتها، وهو اختيار منهجي باعتباره وسيلة ناجعة تمكننا

(1) أكرم حجازي: «مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية: من التوحيد إلى صناعة القيادة» ، تشرين أول / أكتوبر 2007، موقع الباحث: http://www.almoraqeb.net/main/mobiles-action-show-id-12.htm.

(2) عبدالله النفيسي: «أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي» ، مجلة العصر الإلكترونية، 10/ 9/2006. على الشبكة: http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentID=8200

(3) أسامة بن لادن: «العلم للعمل- الجزء الثاني» ، (مركز الفجر، مؤسسة «السحاب» التابعة لتنظيم القاعدة، شريط مرئي، 7/ 9/2006) . وهو الشريط الذي بثته «القاعدة» بمناسبة الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي اشتهر بـ «شريط التوثيق لأحداث سبتمبر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت