الصفحة 5 من 16

للمفاوضات ولو بشروط بينما لم نقع على أية مبادرات من هذا النوع من قبل السلفية الجهادية، اللهم تلك التي لا تخلو من لغة الإهانة للقوى الغازية وبشروط عسكرية صرفة أو شرعية [1] وكأنها في عز وتمكين ما بعده تمكين.

في ختام ندوة عن السلفية الجهادية عقدها المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية في العاصمة الأردنية (عمان) قلنا فيها بأن السلفية الجهادية، شئنا أم أبينا، باتت فاعلا استراتيجيا على المستوى الدولي [2] ؛ تَقدّم مني أحد العاملين في القسم السياسي في السفارة البريطانية مستوضحا عن القول؟ ولافتا انتباهي إلى أنهم (مقاتلي السلفية) مجرد «قلّة» ، ومتسائلا: كيف يكونوا فاعلا استراتيجيا؟ فقلت له: هم كذلك، وأنتم حقيقة في ورطة، لأنكم تتعاملون مع الآخرين بمقتضى العقل الوضعي والآلة التكنولوجية وتتناسون أن هؤلاء يتعاملون معكم بمقتضى الشريعة، ويستخرجون خبراتهم ومهاراتهم العسكرية والأمنية وتوجهاتهم السياسية والأيديولوجية من صميم العقيدة الإسلامية والسنة النبوية والتراث الإسلامي وليس من الكليات العسكرية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يقاتلونكم، بداية، بوصفهم «قلّة» لا بوصفهم جيوشا جرارة، وإلا فقل لي: من ضربكم في مدريد ولندن وبالي؟ وكم عدد الذين هدموا أبراج مانهاتن؟ ومن يقاتلكم في العراق وأفغانستان والشيشان والصومال؟ ومن يضرب البنى التحتية في الجزيرة العربية؟ ثم هل تعتقد أن كُتابنا ومحللينا وكُتابكم ومحلليكم سيفهمون السلفية ويدركونها عبر ثقافتكم وتقنياتكم المنهجية وأنتم تتعاملون معهم فقط كإرهابيين؟ وكأن المقاربة الأمنية أو العسكرية هي الكفيلة بحل الإشكال؟ ألا تدركون بعدْ أن هذه «القلّة» تتحصن في العقيدة كمرجعية توجه كافة اختياراتها وترسم بواسطتها كل استراتيجياتها؟ وأنكم إنْ استطعتم اصطياد بعضهم عسكريا فلن تستطيعوا كسر ما يعتقدون به؟

الحقيقة أنني شعرت وكأن الرجل فوجئ بإجابتي، رغم أنني لست متأكدا أنه فهم أن «القلّة» ، مثلا، في عقل هؤلاء، هي فعلا مفهوم شرعي واسع النطاق وليست مفهوما أمنيا يمكن رده إلى تعبيرات محدودة من نوع «حرب العصابات» أو «الخلايا النائمة» حتى لو تقاطعت معه في الشكل وبعض المضمون. ولو أخذنا نماذج أخرى للتحليل سنصل تقريبا إلى نفس النتائج. فالسلفية مثلا، وهي تسعى لِأنْ تجعل من تحقيق «التوحيد» واقعا غايتها النهائية، لا يمكن لها أن تقيم وزنا يذكر لمعيار «ميزان القوى» في الصراع مع الآخر العدو، ولا يمكن أن تحسب حسابا لما تسميه مثلا الجماعة الإسلامية في مصر بـ «الهدف المستحيل» [3] . ولو كان الأمر يتعلق

(1) كالهدنة التي عرضها بن لادن على العالم الغربي والتي وردت في شريط فيديو بتاريخ 17 أو 18/ 2/2006، أو دعوة أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية) للقوات الأمريكية وحلفائها إلى الانسحاب أفرادا دون معداتهم وأسلحتهم الثقيلة من البلاد في خطابه «وقل جاء الحق وزهق الباطل» ، تسجيل صوتي، 22/ 12/2006.

(2) أكرم حجازي: «مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي: نموذج العراق» ، (عمان - الأردن، المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية، 11 شباط / فبراير 2008) .

(3) هذا ما عبر عنه أحد قادة الجماعة الذي يرى بأن القاعدة تؤمن بـ «الهدف المستحيل» ، وهو بهذا الموقف إنما يقدم قراءة سياسية وتنظيمية للواقع وليس قراءة عقدية. ناجح إبراهيم، «تنظيم القاعدة: دعوة للمراجعة» ، 4/ 12/2007، موقع الجماعة الإسلامية، http://www.egyptianislamicgroup.com/Public/articles/essay/6/ 96523334.shtml.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت